رئيس التحرير : محمد القبي للاتصال :971 630 98

جريدة إلكترونية يومية مستقلة جامعة

الخبر مقدس والتعليق حر

بريدنا الإلكتروني : contact@al-yawm.com
انقطاع الكهرباء في معتمديات سيدي بوزيد اليوم الأحد - حول الدورة السابعة لمهرجان الإبداع الإعلامي في الوسط الطالبي بالمركز الجامعي للتنشيط الثقافي و الرياضي بصفاقس - هدى الكشو المنسقة العامة لتظاهرة صفاقس عاصمة الثقافة العربية تتحدث في الندوة الصحفية قبل اختتام التظاهرة - أنصار النادي البنزرتي ينظّمون مسيرة بمدينة بنزرت احتجاجا على نتائج الفريق المتردية - وزارة التجهيز تتسلم الجزء الثاني من الهبة التركية - وزارة الفلاحة تلجأ إلى تقنية تحويل مياه السدود لتأمين الماء للمناطق المحرومة (خاص) - تعيين فوزي محفوظ مديراعامّا للمعهد الوطني للتّراث - 80عارضا وتكوين 10آلاف زائر في مجال السلامة الالكترونية - بعد قرمبالية بلدية تونس تستعمل إرساليات الجوال لرفع الفضلات - *عمال الحضائر يرفضون مقترح التكوين والمساعدة على بعث مشاريع صغرى* - نجاة مراهق أسترالي بعد قفزه في نهر يعج بالتماسيح - *يوم 25 مارس آخر أجل لتسجيل طالبي الشغل الراغبين في الانتفاع ب"عقد الكرامة"* - اختتام تظاهرة عاصمة الثقافة العربية 2016 : - *5 **شركات تونسية جديدة تدخل سوق البورصة* - كندا تقدم اعتذاراتها إلى ثلاثة من رعاياها تعرضوا للتعذيب في سوريا - صالون الموبيليا :موعد متجدد مع الابتكارات ،فرص التأثيث والتزويق بأسعار لا تخشى المنافسة - *86 إصابة بطاعون المجترّات* - اتحاد المرأة يحيي الأسبوع الثقافي التونسي_الفلسطيني - ركن المدار : "سلفنا السعيد المفقود فينا" بقلم هيثم شطورو - هيئة حماية المعطيات الشخصية يحذر من استعمال بطاقة "وفاء" في الفضاءات التجارية - قريبا فتح مكتب الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في تونس - اتحاد الشغل ينفي دعمه قرار تعليق الدروس - نمو في السّياحة يصل إلى 15%خلال السنة الجارية (خاص) - رفع التحجير الصحي على حديقة إشكل أفريل المقبل - إمبراطورية حياتو تسقط ويخلفه أحمد أحمد رئيس اتحاد مدغشقر لكرة القدم - إجراء جديد يشجع على بناء المواجل في المنازل للحد من استهلاك المياه - حوصلة لأهم محطات تظاهرة صفاقس عاصمة الثقافة العربية :- جويلية 2016 - مارس 2017 - - الاحتفال باليوم العالمي للفرنكوفونية - اختتام تظاهرة صفاقس عاصمة للثقافة العربية

الإطار التاريخي للفن التشاركي:

كنتيجة لرفض القواعد التقليدية للفن سعت بعض التجارب الفنية المعاصرة منذ الخمسينات من القرن العشرين إلى الخلط بين عملية إنتاج الفن و عملية التلقي و بين الفن    و الحياة وهو ما دفعها إلى غزو الحقل الاجتماعي و الحقل السياسي. و بذلك يكون من واجب الحقل الثقافي تهيئة السبيل لحرية الإبداع و التعبير الذي صار يحسب على كونه عاملا من عوامل التحول الاجتماعي عبر التأثير فيه و الاشتغال عليه فنيا و استنباط الجمالية من رحم الحياة اليومية بالاعتماد على المجتمع كخزان للمادة الفنية و أداة  للتعبير و للنقد.

و علاوة على ذلك فقد أعلن بعض الفنانون القطيعة مع مبادئ الإبداع التقليدية و كذلك القطيعة مع التقنية و رفضا للجمالية و الذوق السائدين.

توجهت العديد من الحركات الفنية المعاصرة كالفن الشعبي و الواقعية الجديدة إلى تقليص المسافة بين الفن و الحياة اليومية و بين الشيء الوظيفي، آخذة من الواقع رموزه لتوظيفها في الفن. فافتتن الفنانون بمادية الواقع اخذين منه أشياءه ووقعوا في مواجهته ووظفوه كحقل تجريبي ليظهر الفن في صورة الواقع و تكون الفضاءات العامة فضاءات تفاعل و مشاركة وفضاء للإبداع الفني ما أدى إلى تقليص المسافة بين التجربة الفنية          و التجربة المعيشية الواقعية.

انفتح البحث النقدي للفن على الحقل الاجتماعي و الحقل السياسي و اتخذ كوظيفة خلخلة هذا الواقع و إفقاده التوازن بالثورة عليه و رفضه، فظهر الفن كواهب للمتلقي فرصة عيش التجربة و التواصل مع الفن و الفنان كسمة جديدة لفن جديد يقطع مع الماضي، و كانت قوته في التساؤلات التي يطرحها و الوسائل الإدراكية التي يستوجبها في عملية تلقيه.

توجهت بعض التجارب الفنية المعاصرة إلى انصهار الفن و الحياة و نحو استثمار الفضاءات العامة كفضاءات تجريب بحثوا فيها عن إدخال الممارسة الفنية في الحياة العادية، و ذلك بإحداث التساؤل عن دور المتلقي، و استغلال الفضاء العام في بعديه الاجتماعي       و التواصلي و تقريب الفن من الواقع المعايش و كل ذلك من خلال فكرة جعل الفن فعلا تشاركيّا. وقد كانت بداية التفكير في تشريك المتلقي و جعل الفن فعل تشارك في ممارسات المستقبلية و من بين نتائج هذه التجربة ظهور الهابينيغ عبر أعمال الموسيقي ” جون كاج” “ Jhon Cage ” و الكوريغرافي ” مارس كونينغهام” Merce Conningham بالتعاون مع العديد من الكتاب و الشعراء، و قد قام هؤلاء الفنانين بجملة من الممارسات الفنية جامعين بين الرسم و الرقص و الشعر             و الموسيقى … وأدّى هذا التوجه إلى جعل الفن يتعدّى حد النتيجة ليصبح موقفا و فعلا لا يكون مختلفا عن الحياة و لكن فعلا منخرطا في الحياة.

ومن بين الفنانين الذين افتتنوا بالحياة اليومية  ”جوزف بايز” Josef Beuys ما جعله يلتحق بمجموعة فليكسوس في 1963 لأنه وجد في اختيارها تماشيا مع توجهه الفني و أنتج أعمالا سميت ” بالمنحوتات الاجتماعية ” sculpture sociale مثلت رغبة في دمج الممارسة الفنية في الفضاء الاجتماعي و السياسي حتى تكون العملية الإبداعية  كأي فعل في الحياة اليومية. و كان ” بايز”  من أكثر الفنانين المعاصرين الذين سعوا إلى دفع الفن نحو الحقل الاجتماعي و الحقل السياسي.

مثل ما سبق تأطير لفكرة الفن التشاركي من خلال بعض الممارسات التي ظهرت في الفن المعاصر و التي آثرت انخراط العملية الإبداعية في الفضاء الاجتماعي و تتناول قضايا اجتماعية و سياسية و كذلك فنية. و هذه التجارب قد أعطت قيمة لليومي و للفضاء العمومي كوسيلة نقد اجتماعي و سياسي، وهو ما مكنها من الإيتاء بجمالية لم يسبق لها مثيل في التاريخ الفني. و قد كانت المقترحات الفنية التشاركية ذات نمط فرجوي وفيها تأكيد على مسؤولية الفنان المعاصر المتمثلة في وجوب الخروج على القواعد التقليدية للفن و منها المنتوج الفني الموجه للسوق. و أدى  ذلك الى خروج الفن للفضاء العام حتى يكون نتاجا اجتماعيا يتبنى قضايا مجتمعه في الواقع و يأخذ الفنان المكونات الاجتماعية مادة لعمله الفني. فاهتم الفنانون بالعلوم الإنسانية و العلوم الاجتماعية ليكون الفن مرآة المجتمع حاملا قضايا الإنسان المعاصر ما غيّر من واقع المشهد التشكيلي في مستوى التلقي عبر جعله تواصليا و تشاركيا للمتلقي فيه نصيب مثله مثل الفنان، ما أنتج التحول الجذري للعملية الإبداعية لتكون فضاء خصبا يتحرر فيه الفنان من كل القيود التقليدية، و تكون هذه النزعة نحو الفن التشاركي سببا لولادة متلق جديد يشارك فعليا في ولادة العمل الفني.

الفن التشاركي : انصهار الإنتاج و التلقي:

على ضوء الرغبة الملحة في اللقاء المباشر مع الجمهور خرج الفنانون للفضاء العام لتقديم  مقترحاتهم الفنية و جعل الفن في متناول الجميع و في كل لقاء يحدث التواصل، و لعل الأعمال الفنية التي كانت في الفضاء الحضري هي مثال جيد لهذا الفعل التشاركي و العمل الفني الذي يتسم بالترحال بغية اللقاء. وهو ما خلخل التسلسل الكلاسيكي في العملية الإبداعية (إنتاج-عرض-تلقي)،  لتصبح العملية الإبداعية مرتبطة بإنتاج العمل الفني في الزمن الحي ويكون فعلا في الزمن الحاضر ينتج بالموازاة مع زمن تلقيه، ذلك بتخلي الفنان عن الإنتاج الفردي  لتتبلور العملية الإبداعية إنتاجا و تلقيا في زمن واحد  و فضاء واحد هو فضاء الحقيقة في بعده التفاعلي.

في بحث الفن التشاركي عن إحداث تواصل بينه و بين جمهوره، اختار التواجد في الزمن الحي و معايشة  الحاضر لذلك فقد وقف في مواجهة الواقع المعيش ليكون جزءا لا يتجزأ من الحياة و من التعايش الاجتماعي، و اختار أن يكون منسجما مع الحياة. وهو ما جعل الأعمال المنضوية ضمن هذا النوع من الفن الذي يقوم على التشارك و التواصل مع الجمهور أعمالا تنجز في الزمن الحقيقي ” الآن و هنا ” و في مواجهة مباشرة مع المتلقي. ومن هذا المنطلق فان الزمن الحاضر يصبح إطار الفعل الإبداعي و هذا التناغم بين الفعل   و التلقي لانجاز عمل تشاركي هو تأكيد على التوجه الذي رسمه الفن التشاركي و المتمثل في صهر العملية الإبداعية بعملية التلقي، ما يجعل هذا النوع من الفن يسجل في التاريخ على كونه فن الفعل و الحدث تنمحي فيه المسافة الفضائية و المسافة الزمنية بين صنع الفن        و العرض و التلقي و تلك هي سمة الأعمال الفنية الحينية و الزائلة التي تزول بزوال الحدث.

الفن التشاركي فن الفعل و تطوره في الزمن:

من خصائص الفن التشاركي الرغبة في اكتشاف و تجريب الواقع في زمنه الحقيقي، وهو ما يجعله يتطور في الزمن الحاضر كمجموعة أحداث متسمة بالحركة المتغيرة          و المستمرة،   و ذلك بمواجهة الإيقاع الزمني الخاص بالعالم المحسوس والواقعي. و الحركة المتغيرة التي يتسم بها الواقع تجعل الأعمال التشاركية أعمالا متطورة في الزمن الحقيقي ففيه ينتج العمل بطريقة تشاركية جماعية و في ذلك تتشكل القطيعة مع الأعراف التقليدية في الفن و تحديدا مع مفهوم العمل الفني المكتمل، فالمهم في الفن التشاركي هو المسار الذي يأخذه الانجاز و ليس العمل الفني كنتيجة، وهو ما يجعله ذو طبيعة تطورية في الزمن  و ذو طابع حركي    و متحول في وضعيات تفاعلية شتى فيما يولده من تواصل. لذلك فهو لا ينتج أعمالا تستجيب و الذائقة الفنية العامة و إنما يكون فن الفعل بغرض بناء معان و إحداث نشوة فنية حينية.

من هذا المنطلق يمكن أن يكون للفن التشاركي سمة الأداء بما انه فعل يقدمه الفنان في موقف فني مباشر في الزمن الواقعي حيث ينسج تفاعلا بينه و بين الأشياء المكونة للعمل الفني       و بين المشاركين. يعايش المتلقي في الفن التشاركي انجاز العمل الفني من الداخل و ذلك  بكونه يدخل في التجربة التي لا تكتمل إلا بحضوره  و ليس حضوره ماديا فحسب و إنما يكون مساهما في تطور هذا الفعل الفني.

يكتسب الفن التشاركي صفة الزائل لأنه فن اللحظة التي يلتقي فيها الفنان و المتلقي حول حدث يثير الحواس و يفترض تصرفات معينة من المتلقي التي تكون كردة فعل. و لا يقف العمل الفني حد إدراك المتلقي بل انه يتطلب استجابة كاملة من جسده و تصرفاته هي التي تكمله و في بعض الأحيان تكون المؤسسة له بمجمله، و ذلك التجاوب الحسي من المتلقي هو الذي يجعل الإنتاج الفني تجربة معيشية من ضمن التجارب في الحياة الواقعية  ليتحقق حلم “ألان كابرو” Allan Kprow و المتمثل في رؤية فن مشابه للحياة.

الحياة اليومية فضاء الممارسة الفنية التشاركية:

تمثل الحياة اليومية بالنسبة للفن التشاركي  تجريبا للواقع و بذلك فهو لا يقدم صورا خيالية ووهمية و إنما يبني وجوده من خلال الواقع الموجود ومن خلال النسيج الاجتماعي، وان كان قد ترك الأشكال الكلاسيكية للتمثيل لإحداث علاقة مباشرة دون وسيط فان الفنان لا ينسج علاقاته بمادية الواقع فحسب وإنما بكل ما هو مرتبط بالعيش الجماعي في المجتمع المادي و المعنوي منه فيكون تدخل الفنان عبارة عن مساءلة للعلاقات التي ينسجها الأفراد في المجتمع، و تركيزا على كل ما هو مشترك في المحيط الاجتماعي و الثقافي.

ينتج العمل الفني التشاركي مجموعة من الأحاسيس و تجربة تكمن في فعل المشاركة و ينتج تفاعلا في الحوار الذي يثيره بين الفنان و المتلقي ليظهر كمشاركة حية لإحداث متعايشة. و تجربة هي لقاء تعارف متبادل، فينطلق الفن التشاركي من الواقع الموجود ومن الحياة اليومية و يبحث عن إحداث علاقات مع مجتمعه من خلال التشريك و الدعوة للتفاعل و بناء فضاءات تواصل وحوار و تلاق مع المتلقي.

يوظف الفن التشاركي المجتمع كتجربة عبر الانفتاح على التبادلات الاجتماعية الحية.و بدعوة للمشاركة دون شروط و عيش التجربة بحرية، و قوام هذه التجربة هو المشاركة و التفاعل بالإضافة إلى التلاقي و التعايش الجماعي، فلا يكون المتلقي مدعوا لمجرد المشاركة الفردية و إنما على كونه قادرا على التأثير و التغيير في فضاء و زمن محددين

مع مفهوم المشاركة و التفاعل أضحى العمل الفني جماعيا بمثابة حوار يشمل الاختلاف الثقافي و الاجتماعي. و ذاك التفاعل يدخل حركة تنطلق من الفرد نحو المجموعة، ومن الفردي إلى الاجتماعي، ما يسمح بمعايشة تجارب الآخرين و غيرها من العلاقات التي تحدث بين الأفراد في المجتمع.

أثارت ما بعد الحداثة تحولا في مفهوم الفضاء الفني و كان محل جدل من خلال التساؤل عن العلاقة بين الفن و الفضاء الواقعي و أنتج هذا الجدل نتائج من بينها خروج الفنان  للفضاء الحضري و استغلاله بتوضيفه و جعله خزانا لمواضيع شتى تسمح له بالتدخل المباشر       و اللقاء الحي مع المتلقي و كان ذلك نتاج رغبة في الاكتشاف و إحداث شكل من التواصل الاجتماعي. و بطريقة تجريبية انطلق الفنان نحو اللقاء الحي مع المتلقي ليكون فضاء المدينة ورشة ليس لها جدران  فيقول في ذلك الناقد الفني المتخصص في الفن المعاصر” بول أردان ” Paul Ardenne:  ” الفن الذي يوظّف الشارع، و يخاطب مباشرة المتفرجين بطريقة عرضه في الهواء الطلق أو بان يطلب منهم في الفضاء العام  فعلا و مشاركة “[1].

تكون المدينة من هذا المنطلق منبع الصور و الأشكال و الحركة و الأفكار التي يتزود بها الفنان لينتج فنه و تكون ورشته الخاصة ليتنقل من سياق التمثيل إلى سياق الحضور      و الفعل في الواقع ما يراه ” بول اردان ” Paul Ardenne تغييرا استوجبته التحولات التي حدثت في المشهد الفني المعاصر بقوله: ” توظيف العالم الواقعي ( خارج الورشة التقليدية) و عرض الأعمال خارج المراكز الفنية و المتاحف يظهر غريبا من دون تغيير في مفهوم الفن نفسه، و في هذا المعنى الاولوية من هنا فصاعدا تكون للحضور ضد التمثيل.”[2].

أضحى الفضاء في الفن التشاركي متحركا، و فضاء في طور الاكتشاف تتغير صورته بالتدخل الأدائي فيتغير العمل الفني بعامل الفكر الذي يحتويه و يتغير الفضاء بالعمل الفني الذي يسكنه وهو ما يولد تفاعلا ازدواجيا بينهما ومن قواعد هذا التدخل الفني أن يكون في المباشر وهو ما من شانه مباغتة المتلقي ما يحيله إلى التفكير في مثل هذه الممارسات الفنية.

الفضاء اليومي فضاء تشارك : دراسة لتظاهرة “دريم سيتي” dream city بمدينة تونس سنة 2010:

“دريم سيتي” هي تظاهرة فنية تقوم على عرض ممارسات فنية في فضاء المدينة، و كانت انطلاقتها في 2007 بمدينة تونس و من ثم في 2010 في نفس الفضاء، لتتواصل في 2012 في مدينة تونس و مدينة صفاقص. وهي تظاهرة للفن المعاصر تتفاعل فيها العديد من الممارسات الفنية و تختلط فيها العديد من الأجناس و يشارك فيها فنانون تونسيون و فنانون من أوربا. و تتمثل في إثارة التفكير حول علاقة الفنان المعاصر بفضاء المدينة و الحياة الإجتماعية و استغلال الفضاء المفتوح للتعبير الفني و تطوير شكل فني يربط الفنان بفضائه القريب.

كانت الدورة الثانية ل”دريم سيتي” في أكتوبر 2010 و تمثلت في عرض أعمال متعددة الوسائط الفنية بمدينة تونس و تحديدا في أزقة المدينة العتيقة، فجمعت بين الفن التشكيلي     و المسرح و الموسيقى و الرقص الكوريغرافي   و الفيديو… لمجموعة من الفنانين و ضمت 40 عملا فنيا لأربع و عشرين فنانا من تونس    و من أوربا، وقد مثلت التظاهرة تعبيرا على التحول الذي مس المشهد الفني التونسي         و إعلانا للفن المعاصر عن تواجده في المدينة ليكون فعلا جماعيا يربط الفنان بالمتساكنين    و يختلط الفن بالعامة  أثناء ممارستهم حياتهم العادية و التشارك في حلم المدينة بمسار فني يكتشف سيرا على الأقدام، من خلاله نكتشف شاعرية الفضاء الحضري بوسائط متعددة .

تنم الأعمال المعروضة و المتمثلة أساسا في تنصيبات و عروض أدائية عن رغبة الفنانين في ربط  الفن بالحياة الواقعية بمساكنها و محلاتها ، و السير نحو كشف الذاكرة الجماعية. و كانت فكرة Dream city للفنانة “بياتريس دينواي” Beatrice Dunoyer كرغبة منها في دفع الممارسة الفنية المعاصرة في كل أنحاء العالم و هي ترى أن في هذه الأعمال القائمة على الفضاء المفتوح و تحديدا الفضاء الحضري تنشيط للفكر في علاقته بالفضاء عبر التساؤل عن ذاكرة المكان و الذاكرة الجماعية.[3]

تمثل تظاهرة “دريم سيتي” خروجا عن التقليد الفني بأروقته و خروج الفن للمدينة  ليعانق الحياة اليومية بواقعها و ذاكرتها الجماعية التي ظلت البنايات شاهدة عليها فكانت معايشة للواقع و نبش في الذاكرة، و كل الأعمال هي زائلة و لكنها لا بد و أنها قد تترك أثرا في ذاكرة المارة و المشاركين، و انقسمت المسارات الفنية إلى أربع ميّزت بأربع ألوان هي الأخضر و الأصفر و كذلك الأحمر و الوردي تتقاطع فيما بينها و كل مسار فيه نصيب من الأعمال، و للمشارك أن يختار بأيها يبدأ جولته، و حسب الناقدة الفنية  “رشيدة التريكي” فإن “دريم سيتي” هو حلم تمثل في تحويل فضاء المدينة إلى فضاء إبداع جماعي فهو بحث عن جمالية الفضاء الحضري و حلم كل الفنانين المشاركين في هذه التظاهرة متمثل في رغبة للعيش في المدينة بطريقة مغايرة يجتمع فيها الفني و الواقعي بمساءلة الفضاء الحضري[4]

الفضاءات التي تمر بها و التي تجمع الناس هي فضاءات استعمال جماعي، وهي فضاءات عمومية تمنح للفنان سبل جديدة للتدخل الفني، و يضع الفن هذه الفضاءات تحت طائلة تساؤله و تكون التحولات الفنية ليست في معزل عن التحولات الإجتماعية. و هذه الممارسات الفنية خارج الأروقة يبدو من العسير حصرها و ذلك لانها متنوعة و تستعمل فيها العديد من الوسائط،  و المهم عند الفنان هو تدخله الفني الذي يعبر به عن ذاته داخل هذا الفضاء العام فيربط الذاتي بالجماعي و العمومي بالحميمي، فهذه الممارسات الفنية هي عبارة عن نسج حوار بين العمل الفني و الفنان و محيطه و نسج علاقة إنسانية مع المجتمع من خلال معايشة حياة المدينة و انتصاب فنه في مراكز ازدحامها، ليكون المنتوج الفني نحتا اجتماعيا بوسائط متعددة،  و تلك هي مهمة الفنان المعاصر الذي أخذ على عاتقه بناء خطاب اجتماعي موجها للعامة ، فكانت هذه التظاهرة لتؤكد أن الفن المعاصر هو فن اجتماعي بالأساس و هو فن نسج العلاقات مع متقبله، و ان كانت الأعمال الفنية في هذا الاتجاه عادة زائلة تنتهي بزوال الفعل الفني فإنها تبقي تساؤلات دائمة في ذهن الحاضرين و المشاركين فيها بما أن معايشتها كانت حسية و جسدية و أيضا واقعية ، تبني تظاهرة “دريم سيتي” علاقات خاصة مع الجمهور المتقبل و يكون فيها كذلك الفنان متساكنا لأزقة المدينة العتيقة، مثله مثل عامة المشاركين فيخلط بين سلوكه الإجتماعي          و سلوكه الفني لينتج فنا يخلق علاقات بين ما هو فردي و ما هو من الذاكرة الجماعية.

هذا التدخل الفني في الفضاء الإجتماعي و الفضاء الحضري يرتبط نجاحه أساسا بمدى العلاقات الإجتماعية و الثقافية التي ينسجها في المجتمع و مدى الأثر الذي يتركه في الذاكرة الفردية و الجمعية. تضل المدينة شاهدا على تاريخ متساكنيها، و متضمنة لموروث مادي متمثل في معالم و أحياء سكنية و غير مادي متمثل في حكايات و مخيال جماعي و ذاكرة للمكان، و تلك المعالم تكون شاهدة على تحول اجتماعي ، كذلك المدينة هي اشعاع للواقع    و انعكاس لحياة متساكنيها في الحاضر بسلوكياتهم اليومية فيكون الفن في فضاء المدينة استعادة للذاكرة و معايشة للواقع في آن واحد.

و من هذا المنطلق فقد تفرعت الأعمال على كامل أنحاء المدينة العتيقة باحيائها الشعبية و معالمها الأثرية التي تعود إلى عهد البايات كدار الأصرم و دار بن ميلاد و قصر خير الدين بالإضافة إلى “دار باشحامبا” و المدرسة المرادية و “تربة الباي” وغيرها من الفضاءات المتواجدة في ازقة المدينة العتيقة كزنقة بن عبد الله  و نهج سيدي صابر  و زنقة “بن زكور”   و ما هذه إلا أمثلة و ليست حصرا للفضاءات التي انجزت فيها هذه التظاهرة .

من خلال هذه البرمجة و التنظيم  للفضاءات نكتشف نوعا من الطرافة، فقد كانت المخازن و منازل المدينة العتيقة الغير مسكونة و التي يعود تاريخها لعهد البايات هي الأماكن المفضلة في هذه التظاهرة ، لتكون فضاءات فنية مؤقتة لا بد للمشارك فيها أن يكون مصحوبا بخارطة تساعده لاكتشاف هذه الفضاءات، فيسأل عن الطريق و يتبع الأسهم الملونة  في ازقة المدينة العتيقة  فيكتشف اماكن جديدة لم يتسنى له اكتشافها من قبل و قد تنوعت المواضيع و لكن مجملها قد ارتبط بإشكاليات الفضاء الحضري و بالعلاقة القائمة بين الفنان  و المجتمع و محيطه . تناول بعض الفنانين الحياة الإجتماعية و صوروا الفضاءات العامة   و نقاط التجمع كالأسواق و بعضهم اهتم بالنسيج الاجتماعي للمدينة و حياة الفرد داخل المجتمع في تصوير فني  ، كما اهتم آخرون بالهندسة المعمارية الخاصة بمدينة تونس .

ما يمكن أن نستنتجه في آخر هذه الدراسة المقتضبة لهذه التظاهرة التي كانت في 2010 هو أنها قامت أساسا على الخروج لفضاء المدينة رغبة في التفاعل مع العامة أثناء نشاطاتهم اليومية و يلتحم الفني باليومي و لكن هذه الرغبة كانت محدودة بما أن جل الفضاءات التي أنجزت فيها الأعمال هي فضاءات مغلقة مع أنها قد أحدثت حركية فعلية في فضاء المدينة العتيقة كما أنها كانت بمقابل و هو ما يجعلها غير موجهة لكافة المتساكنين و فيها حدّ من مستوى التفاعل الذي يحصل بين الفنان و المتلقي و الدعوة للمشاركة ليست مفتوحة للجميع لذلك فاعتبار هذه التظاهرة فعلا و حدثا اجتماعيا يظل نسبيا .

ختاما يبقى التواصل المباشر مع المتلقي في الفضاءات العامة شكلا جديدا في المشهد الفني التونسي المعاصر قد اختاره بعض الفنانين في تونس و بعض الجمعيات الفنية بتنظيمها لعدة تظاهرات تحت شعار فن الشارع   و الفن خارج الجدران ، وهذا التوجه الفني هو في تطور متزايد  حيث يتقاطع فيه التشكيلي مع الفرجوي،من خلال الممارسات الفنية التونسية المعاصرة نلمس سعي الفنان نحو إضفاء أسلوبه و رؤيته للواقع بطابع شخصي، و يبحث عن أسلوب ينعتق به من شروط و معدات الفن التقليدي لتكون تعبيرا فرديا حرا من شانه تخليص العمل الفني من متحفيته ليعانق الواقع المعيشي في صيرورته. مما يحيل فنان اليوم إلى العديد من التساؤلات التي من بينها موقع الفنان في مجتمعه و علاقة العمل الفني بمتقبله.

 

محمد فارس


[1] Ardenne Paul, l’art dans l’espace public : un activisme, bibliotheque et archives nationales du quebec, 2011, page 4

[2] Ibid, page 6

[3] Dream city , arts, itinéraires, pluridisciplinaires, MUZAQ, 2010, page 1

[4] Ibid, page 2

 

انشر على الفيسبوك طباعة
التصنيفات: دراسات

اترك تعليقاً


صباح اليوم

"ثابتون على المبدإ" بقلم محمد القبي

اليوم الثالث من ماي سنة 2017 مرت ست سنوات على بعث جريدتنا في الثالث من ماي سنة 2011 في اليوم العالمي لحرية الصحافة خلال هذه الفترة بقينا ثابتين على المبدإ وعلى الخط التحريري الذي رسمناه لأنفسناه بالرغم من غياب الدعم المادي من الجهات الرسمية وغير الرسمية لأننا نرفض الاحتواء واتباع أجندات سياسية معينة وإيديولوجيات بعينها المبدأ الذي اتبعناه منذ البداية هو الدفاع عن المعدمين والفقراء والمظلومين وكشف الحقائق مهما كان مأتاها، شعارنا في ذلك ” الخير مقدس والتعليق حر “دون المس بالآخر أو التجريح فيه أو التشهير به ، ولن ندخر أي جهد في سبيل رفعة تونس وتحقيق الحلم العربي دون نسيان دعمنا للشعوب العربية التي تعاني من ظلم المستعمر ومخطاطاته الإمبريالية وفي مقدمتها فلسطين وسوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر كما أننا ندين الإرهاب بشتى أشكاله ونرفض العنف مهما كان مأتاه،  وسنواصل المسيرة بثبات دون تأثير من الداخل أو من الخارج و سنبقى على اتصال مع الشرفاء والأحرار وكل عام والجميع بألف خير …

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

>

انشر على الفيسبوك

طباعة

فيديو اليوم

téléchargement (34)

صفاقس – “اليوم”:
حوار مع كاهية مدير الدراسات حول تنافسية المؤسسة بالمعهد التونسي للقدرة التنافسية

انشر على الفيسبوك

طباعة

ريشة اليوم

انشر على الفيسبوك

طباعة

لقطة اليوم

FB_IMG_1498085829783

المسرح البلدي بميونخ

 

انشر على الفيسبوك

طباعة

اكسبرس

téléchargement

هل سيقدر الشاهد على تنفيذ وعوده؟

اتخذ رئيس الحكومة يوسف الشاهدجملة من القرارات لفائدة ولاية صفاقس أثناء زيارته لها مؤخرا ، وسيفعل نفس الشيء بالنسبة إلى ولاية تطاوين وإلى خمس ولايات أخرى  ، فهل سيقدر الشاهد على تنفيذ وعوده؟لننتظر لنرى النتائج …

محمد القبي

انشر على الفيسبوك

طباعة