رئيس التحرير : محمد القبي للاتصال :971 630 98

جريدة إلكترونية يومية مستقلة جامعة

الخبر مقدس والتعليق حر

بريدنا الإلكتروني : contact@al-yawm.com
انقطاع الكهرباء في معتمديات سيدي بوزيد اليوم الأحد - حول الدورة السابعة لمهرجان الإبداع الإعلامي في الوسط الطالبي بالمركز الجامعي للتنشيط الثقافي و الرياضي بصفاقس - هدى الكشو المنسقة العامة لتظاهرة صفاقس عاصمة الثقافة العربية تتحدث في الندوة الصحفية قبل اختتام التظاهرة - أنصار النادي البنزرتي ينظّمون مسيرة بمدينة بنزرت احتجاجا على نتائج الفريق المتردية - وزارة التجهيز تتسلم الجزء الثاني من الهبة التركية - وزارة الفلاحة تلجأ إلى تقنية تحويل مياه السدود لتأمين الماء للمناطق المحرومة (خاص) - تعيين فوزي محفوظ مديراعامّا للمعهد الوطني للتّراث - 80عارضا وتكوين 10آلاف زائر في مجال السلامة الالكترونية - بعد قرمبالية بلدية تونس تستعمل إرساليات الجوال لرفع الفضلات - *عمال الحضائر يرفضون مقترح التكوين والمساعدة على بعث مشاريع صغرى* - نجاة مراهق أسترالي بعد قفزه في نهر يعج بالتماسيح - *يوم 25 مارس آخر أجل لتسجيل طالبي الشغل الراغبين في الانتفاع ب"عقد الكرامة"* - اختتام تظاهرة عاصمة الثقافة العربية 2016 : - *5 **شركات تونسية جديدة تدخل سوق البورصة* - كندا تقدم اعتذاراتها إلى ثلاثة من رعاياها تعرضوا للتعذيب في سوريا - صالون الموبيليا :موعد متجدد مع الابتكارات ،فرص التأثيث والتزويق بأسعار لا تخشى المنافسة - *86 إصابة بطاعون المجترّات* - اتحاد المرأة يحيي الأسبوع الثقافي التونسي_الفلسطيني - ركن المدار : "سلفنا السعيد المفقود فينا" بقلم هيثم شطورو - هيئة حماية المعطيات الشخصية يحذر من استعمال بطاقة "وفاء" في الفضاءات التجارية - قريبا فتح مكتب الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في تونس - اتحاد الشغل ينفي دعمه قرار تعليق الدروس - نمو في السّياحة يصل إلى 15%خلال السنة الجارية (خاص) - رفع التحجير الصحي على حديقة إشكل أفريل المقبل - إمبراطورية حياتو تسقط ويخلفه أحمد أحمد رئيس اتحاد مدغشقر لكرة القدم - إجراء جديد يشجع على بناء المواجل في المنازل للحد من استهلاك المياه - حوصلة لأهم محطات تظاهرة صفاقس عاصمة الثقافة العربية :- جويلية 2016 - مارس 2017 - - الاحتفال باليوم العالمي للفرنكوفونية - اختتام تظاهرة صفاقس عاصمة للثقافة العربية

تمثّل الفنون التشكيليّة فصلا مهمّا من فصول المشهد الإبداعي بالعالم العربي وعلامة من علامات الحداثة الثقافية وخاصّة ما يتعلّق بثقافة الصّورة الفنيّة وقراءة أبعادها. لذلك يقتضي الأمر وجود برامج أو أركان مصوّرة داخل الفضائيّات العربيّة للتعريف بالتجارب الإبداعيّة العربيّة في هذا المجال مثل معارض الرسم والنحت والخزف الفنّي والتصوير الفوتوغرافي والفنون المعماريّة. وبالتوازي يقتضي الأمر التعريف بأبجديّات المعارف والتقنيات الفنية والمساهمة في إنماء ثقافة جماليّة خصبة وهو ما يتعلّق أساسا بتنشئة الحسّ الجماليّ وإثارة القدرة على تأويل الأعمال الفنيّة وتحليل أبعادها.

وقد وجدت في هذا المجال عدّة مبادرات متفاوتة القيمة ومتنوّعة من حيث مقاصد التوظيف الإعلامي لهذه المادّة الفنيّة، وذلك مند أن كانت الصّورة بالأبيض والأسود في ربوعنا، أي منذ سنوات الستينات.

لكن عين المسألة في مثل هذا الموضوع ما يتعلّق بالمناهج المعتمدة في معالجة هذه المادّة الفنية تلفزيونيّا وإعلاميّا… أيّ منهج كفيل بتمثّل المضامين الذّوقيّة للصّورة التشكيليّة وإعادة إنتاجها عبر الشاشة وتحويلها من موضوع للنظر المباشر (أو اللمس بالنسبة للنحت والخزف…) إلى موضوع للتأمّل الجمالي والذهني من داخل صورة مختلفة، من طبيعة فنيّة هي الأخرى، وهي الشاشة، بما تقتضيه من مقوّمات خاصّة بها وهي الإطار والإضاءة والإيقاع الزمني وفواصله؟…

I- مستوى القراءة الإبداعيّة :

إنّ المسألة إن تعلّقت بأعمال فنيّة من طبيعة تشكيليّة (وخاصّة ما ينضوي تحت راية الفنّ المعاصر والفنّ الراهن حيث تتداخل الأجناس الفنيّة ما بين تصوير ونحت وتنصيبات… وتتعدّد المدركات الحسيّة ما بين إبصار ولمس ومناخات سمعيّة ومدركات تتعلّق بحركة الأشكال في الفضاء…) تصبح ذات خصوصيّة وتعقيد يميزانها عن المواضيع الأخرى الجامدة أو الحية في الوثائقيّات والتحقيقات… إذ هي تتعلّق بتصريف متبادل وتضايف عضويّ ما بين أجناس من الصّور الفنيّة، وخاصّة ما يتعلّق بتصريف الصّورة التشكيليّة ذات الحيّز المكاني (Space) داخل الصّورة التلفزيونيّة ذات الحركة الزمنيّة (Time). وهذه الأخيرة، نفسها ذات طبيعة مزدوجة، فهي امتداد شرعي للصّورة السينمائيّة (الصورة المتحركة في الزمن) ولكنّها امتداد أيضا للصورة الفوتوغرافيّة (الشمسية) أو (الصورة الثابتة في المكان)… وبين هذا وذاك، تفصح الصورة التلفزيونيّة عن قرابتها التكوينيّة مع ثقافة الصورة التشكيليّة، على الأقل منذ تاريخ اللوحة المسندية المؤطّرة في عصر النهضة.

وهكذا، إنّ الانتقال بين منظومتين جماليّتين وذوقيّتين، لكلّ واحدة خصوصيّاتها التقنية والمفاهيمية رغم ما يشتركان فيه من داخل ثقافة الصّورة الفنية وتاريخها، يقتضي من الخبرة المعرفيّة والذوقيّة ما يكفي أوّلا لاستيفاء شروط التذوّق الفني واستثمار مضامينه داخل مادّة مصوّرة ومركّبة، وثانيا لاستيفاء شروط المنهج المعتمد (التوثيقي أو النقدي أو التأويلي أو الاستقرائي أو التأمّلي…). وذلك حتى لا تكون الصّورة التفلزيونيّة تابعة لمحدّدات الأثر التشكيلي تكتفي بأن تستمدّ جماليّتها من بريقه الأصلي فلا تظفر منه إلاّ بالنزر القليل… وحتّى لا يكون المعرض الفنّي للوحات الزيتيّة على الشّاشة، مجرّد لمامة من التصاوير المرشوقة على جدار قاعة المعرض مثل الطوابع البريديّة على الظروف التي تحملها !

يتطلّب الأمر إذن طريقة مخصوصة في النظر والتّناول وتدبيرا ذكيّا، إن لم نقل إبداعيّا، لممكنات العدسة والحركة والإطار والتركيب وكتابة النصّ والمؤثّرات الصّوتية المصاحبة وتقنيات التوليف… وعلى هذا النحو يتسنّى لجمهور التلفزيون :

- أن ينفذ من خلال شفافيّة الشاشة إلى عمق التجربة الجماليّة لدى الفنّانين لمشاركتهم المتعة الجماليّة ولذّة الإبداع

- وأن يكتشف المشاهد التلفزيوني القيمة الجماليّة للعمل الفني بنفسه، دون أحكام مسبقة ودون الاعتماد الكلّي على أقوال الفنّانين

- وأن نرتقي بمستوى القراءة من الوصف أو الأفق السطحي، إلى آفاق إبداعيّة وجماليّة يحتملها الأثر الفنّي

- وأن نساهم بأنفسنا (كمشاهدين) في تأسيس ماهية العمل الفني ورصد موقعه من الفنّ وتاريخ الإنسان والحضارة.

إنّ المشاهدة ليست تلقّيا سالبا بل هي فعل يؤتي أكله عبر التّراكم. إنّها انتقال بالإبصار إلى فعل النظر الذهني والتأمّلي المساهم في تأسيس القيمة الجماليّة للأثر الفنّي… فثمّة لدى الجمهور العربي العريض حاجة إلى ثقافة جماليّة تواكب تطوّرات تاريخ الفنّ المعاصر وتمكّن من خلق متقبّل فاعل للأعمال التشكيليّة التي تُعرض في قاعات العرض. بل إنّ تاريخ التجارب التشكيليّة في العالم العربي متطوّر وثريّ بمرجعيّاته رغم حداثته (أوّل معرض للوحات الفنية بتونس كان سنة 1894)، أمّا تاريخ تقبّل الإنتاج الإبداعي فما زال يحتكم إلى أسئلة تقليديّة وقع تجاوزها مع تجاوز الفكر الميتافيزيقي الذي يفصل بين الشكل والمضمون / الماثل والممثول، من نوع “ماذا تمثّل هذه اللوحة؟” أو “ما هو مقصد الفنّان من العمل الفنّي؟ ما الذي أراد أن يقول من خلاله؟”. وهي أسئلة ترجع إلى عقليّة تمثيليّة (Representation) تجاوزتها التجارب الإبداعيّة الراهنة. فلم يعد العمل الفنّي “يُمـثّـل” شيئا آخر أو مرجعيّة أخرى غير مادّته الجماليّة. أمّا أبعاده التاريخية والاجتماعيّة والنفسانية والحضارية فهي أمور نستدرجها عبر التأويل والقراءة أي عبر التقبّل الفاعل.

وهكذا، لا بدّ من تحسس هذه الهُوّة الفاصلة التي تقع بين المبدع والجمهور وتحول دون تنشيط الوظيفة التواصليّة للفن… وأمّا المقاربة التفاعليّة، فهي الكفيلة بتحقيق الالتصاق أكثر فأكثر باللغة البصريّة للأعمال الفنيّة التشكيليّة وتمرير المقاربة أو القراءة الجماليّة جنبا إلى جنب مع الصّورة الفنيّة للعمل الفنّي… وذلك باستثمار تنقنيات اللغة السينمائيّة التي تتأسّس داخلها الصورة التلفزيونيّة. ولا نعتبر أنّ مثل هذه المقاربة غريبة عن التلفزيونات الغربيّة، على الأقل في فرنسا وإيطاليا وغيرهما من الربوع التي ازدهت فيها الفنون التشكيليّة والبصريّة… بل أعطني جمهورا متذوّقا ومنفتحا على حضارة الصّورة، أعطيك فنّا وإبداعا وثقافة أصيلة لها خصوصيّاتها المحلّية والإقليميـة.

إنّ من أهمّ مزايا المقاربة التفاعليّة مواكبة إنشائيّة العمل الفنّي واسترجاع لحظته الإبداعيّة وإعادة إنتاجها أمام جمهور الشاشة، مع تحويل صورة العمل الفنّي من مادّتها الخام وآلياتها الإدراكيّة التي تستوجبها، إلى مجال الصورة الضوئيّة. ويستتبع ذلك تحوّل المتلقّي من كونه ذلك الزائر المغترب إلى قاعة المعرض (الذي يتذوّق المادّة التشكيلية بالاعتماد على جانب إدراكي واحد)، إلى كونه ذلك المشاهد التلفزيوني الذي يتذوّق المادّة الجماليّة بالاعتماد على إيقاع سمعي-بصري مركّب، بل ويشارك في صناعتها داخل مخياله الخاص وذلك لمجرّد أن يتابع مادّة البرنامج (صورة ونصّا وموسيقى وشهادات حيّة…). كلّ ذلك بالاستعانة باللغة السينمائيّة وتقنيات الصورة المتلفزة التي تقدّم العمل الفني في مجال مناخي (Espace ambiant).

أمّا النصّ المرافق فلا يُكتب مرّة واحدة من قبل مُعدّ البرنامج. إنّه محصّلة تظافر نصوص عديدة تُكتب بطُرق مختلفة. إنّه يكتب في البداية في شكل أفكار ثمّ في شكل رؤية إخراجيّة وتصوّر تقنيّ يستفيد من السينوغرافيا، لا محالة… إلى أن يحين موعد التصوير. ثمّ ننتظر من حامل الكاميرا أن يعيد خلق العمل الفنّي من داخل قدرات العدسة وحركاتها ومقترحات التأطير والالتقاط… كلّما تفاعل معه وراودته إضافة تقنية وجمالية، وذلك حتّى لا يكون المصوّر مجرّد وسيط إعلامي. وبحسب ما يقع الحصول عليه من مادّة مصوّرة، تُعاد كتابة النصّ بلغة الصّور والمَشاهد (Plans). أمّا الكتابة النهائيّة فتتمّ بين يدي مهندس التركيب ثم التوليف الصوتي الذي نراهن من خلاله على نضج القراءة المشخّصة للمعطيات المصوّرة وملاءمتها لشعريّة العمل الفنّي وشعريّة النصّ اللغوي المنطوق والمصاحب وبحثها عن علاقات تعبيريّة وجماليّة محتملة فيما بينها.

وعند هذا الحدّ تتطلّع المسألة إلى البحث في مستوى آخر من الخطاب السمعي – البصري وهو مستوى المضمون النّقدي. فمثل هذا الاشتغال الإبداعي – الشعري ليس سوى مادّة طريّة أخرى لتشكيل موقف أو طرح رؤية نقدية تجاه العمل الفنّي، تساهم في ترسيخه داخل المعترك الثقافي، وتحوّله إلى قيمة أو مشروع ذي مقاصد فكريّة.

II- مستوى الخطاب النقدي :

يمكن القول إن النقد الفنّي هو بمثابة تفكير منهجي يرصد شروط التذوّق الفنّي ويقيّم جماليّة العمل الفنّي بعد النظر في وحدته المادية والتقنية  في أبعاده الثقافية المتماسكة.

ومن حيث هو تفكير, نشأ النقد الفنّي بين أحضان الفكر الفلسفي منذ بواكيره. إذ الفلسفة هي فعل العقل وهي نشاط فكري منهجي يقوم على أفعال الشكّ والنقد والتأسيس.

ومن حيث هو فحص للعمل الفنّي وتفكير فيه, ارتبط النقد الفنّي، منذ بواكير الفكر الفلسفي، بذلك الجهد التأمّلي الذي يحتكم إلى تمشّ منهجي وعقلي وقد ينطلق هذا الجهد من ظاهرة فنّية بعينها ولكنّه ينتهي إلى صياغة أنساق نظرية مجرّدة. ولم تخرج الممارسة النقدية من الفعل التأمّلي النظري إلى الفعل التأمّلي المطبّق على أعمال فنّية بعينها إلا مع العصر الحديث, من خلال أعمال الإيطالي فازاري والفرنسي ديدرو… وإن كان فازاري مؤرّخا للفنّ أكثر منه ناقدا.

وكغيرها من العلوم الإنسانية، انفصلت النظريّة الجمالية عن الأنساق الفلسفيّة في الحداثة, لتصبح عِلما قائما بذاته يبحث في مسائل الفنّ. و لكن النقد الفنّي بقي غير محدّد بسجلّ معرفي خاص, بل بقي يعيش في ظلّ العلوم الإنسانية والمناهج الأخرى… وهو مأتى تعدّد المناهج والمدارس في مجال الممارسات النقدية, إذ نجد، فضلا عن النقد الفلسفي, نقدا سوسيولوجيّا ونقدا تاريخيّا ونقدا سيكولوجيّا ونقدا أنتروبولوجيّا ونقدا سيميولوجيّا…

كما أفرزت الحداثة مجالا لخلق تطبيقات نقدية تلبّي احتياجات الإعلام الثقافي وهو مجال النقد الفنّي في وسائل الإعلام. هل هناك خصوصيّات محدّدة لهذا النقد؟ هل يمكن أن يلتزم برهانات منهجية خاصة به ؟

لعلّ أهمّ مزايا هذا النقد أنّه يحتكم بصفة أساسية إلى الوظيفة التواصليّة للفنّ. فوسائل الإعلام هي وسائل اتّصال بالدرجة الأولى ويهمّها أن تثير، أثناء تغطيتها للمعارض الفنية على سبيل المثال, هاجس التواصل بين الفنان والجمهور وأن تثير في الناس رغبة زيارة المعارض والتواصل مع الأعمال الفنية بصفة مباشرة.

إلى هذا الحدّ، يبدو الوضع جيّدا بحيث تقوم مهمة النقد الفني في وسائل الإعلام على إعلاء جانب الحوار الخلاّق بين الذات المتأمّلة والموضوع الجمالي المحسوس وتساعد على تمديد الفعل الإبداعي خارج المَرسم أو الورشة  الفنّية وخارج قاعة المعرض, وذلك باتجاه المعيش اليومي الحيّ… وهنا يكون الفنّ مساهما في إنماء الوعي الثقافي وأساسا من أسس علاقة الإنسان بالعالم ورؤيته إلى الأشياء.

أمّا عندما نتجاوز هذا البُعد النظري الجميل لمهمّة النقد الفنّي في وسائل الإعلام باتجاه النظر في إمكانيات تطبيقية في الإعلام السيّار, فإننا نلاحظ عديد الصعوبات المنهجية التي تعوق مهام التفكير النقدي.

والمهمّ في هذه المرحلة بالذات, هذه المرحلة التي تنوّعت فيها الأساليب الإبداعية وازدحمت قاعات العروض الفنية بظواهر التحديث والتجريب, هو أن نُبلور وعينا بوجود هذه الصعوبات المنهجية ونكشف النّقاب عن أسبابها ونخضعها إلى النظر التأمّلي حتّى نُحكم السيطرة عليها ونعمل على تقويضها…

كيف يمكن تشخيص أهمّ هذه الصعوبات؟

لا ريب, إن غياب المشروع النقدي المتماسك يفسح المجال لنوع من العقليّة التذكارية التي تكتفي بتكريس القيم الجمالية الشائعة دون أن تعمل على إنتاج قيم جديدة تواكب راهنيّة تاريخ الفنّ وتحوّلات الثقافة الإبداعية.

وذلك هو حال العقليّة “النقدية” ذات الطبيعة الاسترجاعية السالبة. وتشتغل هذه العقلية على طريقة المرآة العاكسة, Driving-mirror)  ( Rétroviseur التي تسترجع ما وقع وراءها وتعكس الماضي على الحاضر, فلا تنظر إلى الإبداع بل تنظر إلى الاتباع.

إن هذه المرآة العاكسة للصورة الورائية تبتلع الفنّ وتقوّض الحاضر والمستقبل بما أنجزه في الماضي الفنّانون الرموز. فهي ليست عقلية دافعة إلى الأمام وذات متّجهٍ خطّيٍّ استشرافي  Prospection بل هي جاذبة إلى الوراء Retrospection  أي إلى الفيتيش الرمزي فتضحّي بالفعل المستقبلي المتوثّب للإبداع.

ماهي الأطراف التي يمكن أن تذهب ضحيّة لهذا “الروتروفيزور”؟

إن الفنّانين الشّبان هم الأكثر عرضة لهذا الخطر, إذ كثيرا ما تقع محاصرتهم بالمقولة الرجعيّة “ليس بالإمكان أحسن ممّا كان”. وهي المقولة التي تنظّر لسلطة الماضي المطلقة بحيث تقمع سيرورة التاريخ المستمرّة.

كما تضرّ هذه العقلية, عقلية المرآة العاكسة, بالفنّانين الرموز أنفسهم حيث تستحضرهم في تقييم الأعمال الفنّية الجديدة فتجعلهم بمثابة نماذج تفسيريّة خالدة مثل الأساطير وتتّخذ منهم مجموعة فرامل لإيقاف سير الإبداع والإضافة… كما تورّطهم في الصنميّة الجاهزة وتغلق باب التأويل والقراءة المفتوحة أمام أعمالهم الفنّية. بل هي تجعل من هذه الأعمال مجموعة أصنام أو فيتيش يخترق الزمن المتحوّل ليجلس فوق سيرورة التاريخ.

إن “الروتروفيزور” يُؤسْطر الفنّانين الأكثر شهرة ويجعل منهم سقفا ثقافيّا لا يتحرّك، يشرف على ما يوجد في الأرضية من عناصر التحرّك.

أمّا الطرف الثالث الذي يعاني من خطر هذه العقلية الماضويّة فهو العمل الفنّي نفسه, فمن خلال المرآة العاكسة لا ننظر إلى العمل الفنّي كشيء فريد له أصالة Original بل كشيء له أصل Origin أي أنّنا ننظر إلى العمل الفنّي باعتباره مجرّد فرع للأصل الذي يوجد في الماضي وهكذا تتورّط الممارسة النقدية في نوع من التفسير الرّطن الذي يعمل على إرجاع الفرع إلى أصله الموجود سلفا.

ولكن هذا الأصل نفسه غير متعيّن, ويمكن أن يتّخذ أشكالا عدّة, فهو يمكن أن يتمثّل في جماعة من الفنّانين الروّاد… مثلما يمكن لهذا الأصل أن يتمثّل في رموز الفنّ في العالم, كأن ننظر إلى لوحة فنّان ما على أنّها مجرّد تقليد للوحة بيكاسو… والحال أنّ بيكاسو قد مارس عديد الأساليب الفنية التي ظهرت في عصره ومن السهل أن يتورّط في أثره أيّ فنّان جاء بعده واشتغل على واحد من تلك المواضيع العديدة التي عالجها بيكاسو في أعماله.

كما يمكن للأصل أن يتمثّل في منظومة ثقافية معيّنة أو واقع مرئي ما. وعندها ننظر إلى لوحات الرسام الشعبي صبحي التّيناوي ( سوريا) على أنّها مجرّد تكديس للعلامات والرموز التي تزيّنت بها الجارية الهلالية ويتحوّل الفعل النقدي إلى مقاربة أركيولوجيّة والحال أنّ أعمال مقديش لا تحتمل أن يزجّ بها في قنوات هذه المقاربة الأحادية. إذ الشكل الفنّي وإن احتكم إلى مثل هذه المرجعية التراثية إلا أنّه يستفزّنا للحفر في مناطق أخرى أكثر سرّية وهي المناطق اللامغزوّة للأنا في احتفاليّتها الجمالية بالأساس ثمّ في ثناياها الرمزية والنفسانية…

كما ننظر إلى صورة فنّية للفنان الفوتوغرافي محمّد علي السعدي (تونس)على أنّها مجرّد فرع لأصل خالد وهو المدينة البربريّة أو القصور الصحراوية في الجنوب التونسي… والحال أنّ أعمال السعدي هي معالجة جمالية أخرى تخترق سطحية الواقع المرئي لتنفذ إلى عمقه السري والنفساني وتحوّله جماليّا إلى مكتسبات الذات… ومن ذلك ما يتجلّى في تلك الفتحات والنوافذ والأنهج التي يفتحها هذا الفنّان في مشهد مدينة القصور من داخل لعبة الداكن والمضيء Clair-Obscur .

إن أيّ أفق معرفي تنتصر له المقاربة النقديّة، سواء كان أفقا سيكولوجيّا                       أو سوسيولوجيّا أو رمزيّا لا يمكن أن يكون سوى امتدادا لما تثيره فينا اللغة التشكيلية نفسها في مستوياتها التقنيّة والجماليّة، فكلّ أفق مرجعي من هذا النوع, هو أفق محايث للأثر الفنّي, يستمدّ منه شرعيّة حضوره، وإلا كان مجرّد معطيات جاهزة تنعكس آليا على بساط القراءة في شكل أحكام مسبّقة.

إن أزمة النقد الفنّي في ثقافتنا العربية الراهنة تعود إلى صعوبات منهجيّة في مجملها. فعديدة هي المقاربات والقراءات التي لا تحتكم إلى منهج نقدي متماسك في مقاربة الأعمال الفنية. ومن ثمّة نسجّل نقص التناول المخبري المطبّق على الأعمال الفنّية… وهذا النقص يجعل الحديث عن المادة التشكيلية مجرّد مرآة عاكسة أو سرد لأحكام مسبّقة أو تاريخ أو تعليق انطباعي أو نصّ مواز أو وصف… والوصف لا يتجاوز كونه لحظة من لحظات المنهج ولا يمكن أن يشكّل منهجا قائما بذاته…

وكثيرا ما يقع ترك العمل الفنّي لتركيز الاهتمام على حياة الفنان ومعطياتها البيوغرافية… والحال أنّ التعرّض للسيرة الذاتية للفنان يجب أن يمرّ من تناول المادة الفنية العينيّة و ليس العكس. ومثل هذه المسائل قد وقع حسمها في مناهج النقد الحديث. فالمسار البيوغرافي لحياة الفنان يجب أن ينشط وينمو أمام أنظارنا بالأساس, وذلك من خلال النّظر في تحوّلات الشكل الفنّي ونموّ الرؤية الجمالية ومسار الأسلوب…

إن السرد البيوغرافي يكتفي بأن يتسلّق زمنيّة حياة الفنّان بدعوى مواكبة التحوّلات الأسلوبيّة في زمنيّة الشكل الفنّي ونموّ الرؤية الجماليّة. وتنضاف هذه المادة المسقطة إلى عناصر أخرى غير متجانسة مع طبيعة المادة الفنّية, مثل الأحكام المسبقة والثنائيّات التقليدية المهترئة وغير العلمية من قبيل “هاوي – محترف”, “فن نسائي – فن رجالي”… فمثل هذه الثنائيّات تؤدّي إلى تصنيف العمل الفنّي تصنيفا فوقيّا متعسّفا. فنحن هنا لا ننظر إلى العمل الفنّي من خلال سيولة الذائقة وتلقائيّة الحكم الجمالي.

فمشكلة العمل الفنّي التي تهيكل فعله الجمالي لا يمكن أن تستمدّ جذورها إلا من مقوّماته الداخليّة بالأساس وليس من الوضع الشخصي أو الاجتماعي أو الإيديولوجي لصاحبه بل إن معرفتنا لهذه الأوضاع نطلبها من داخل الأثر بعد تماسّنا المتدرّج له, وقد لا يفصح عنها البتّة. وذلك حتّى نتجنّب أكثر ما يمكن من الإسقاطات الجاهزة بشأن شخصيّة الفنّان. ومثل هذه المزالق تؤدّي إلى الوقوع في ما يسمّيه نقّاد الأدب ومنظّره بالسّياق اللامتجانس Contexte hétérogène (تزفيطان تودوروف).

وبقدر وعينا بمثل هذه المزالق, بقدر ما تكون الحاجة ملحّة إلى التفكير فيما يمكن أن تكون عليها حاجتنا من النقد الفنّي, ما السبيل إلى تأسيس الممارسة النقدية تأسيسا منهجيّا ؟

نحن بحاجة إلى الموقف النقدي الذي يقوم على وجود مشروع متوثب وبنّاء ومسار دؤوب في تكوينيّة الرؤية الجماليّة لدى المتذوّق مثلما لدى الفنّان. كما أنّنا, بالمقابل, لسنا بحاجة إلى نقد من اجل نقد. ومثل هذه الاحراجات المتواترة لا يمكن تفاديها دون تأسيس خطاب نقدي أو “عقليّة نقديّة” مخبرية تتجاوز مستوى التذوّق المنفعل وتشرّع قيمة الفعل الفنّي وتضيء مساراتها وتكشف عن الصعوبات التي تحول دون ذلك.

إن المسألة إذا ما تعلّقت بحقل ثقافي مخصوص, داخل ثقافة ما, تفترض أن يكون للإبداع معادله الجدلي من داخل هذا الحقل أوّلا وأساسا, وهو معادل التـّـلقي. وسؤال النقد الفنّي يبدأ من هنا.

إذ لا يمكن للناقد أن يوجد قبل أن يوجد ذلك الطرف الذي يسمّيه المنظّر الألماني هانز روبرت ياوس H.R.Jauss بالمتلقّي الفاعل الذي ينطلق في تذوّقه للعمل الفنّي من “أفق الانتظار” نحو آفاق أخرى يفتحها بنفسه في تواصله مع العمل الفنّي وحواره التأمّلي، إلى أن يرتقي هذا المتلقّي إلى لحظة تأويليّة تمكّنه من امتلاك الموقف النقدي الذي بمقتضاه يصبح هذا المتلقّي ناقدا يشرّع للعمل الفنّي قيمته الجمالية ويعيد إنتاجه ويضفي عليه “المعنى”.

فحقيقة العمل الفنّي أو معناه هو شيء ملغّز وخفيّ, كما يقول المنظّر الألماني أدورنو W.Adorno ويستدعي صناعة تأويلية داخل تصوّر حديث للعمل الفنّي يسمّيه المنظّر الايطالي أمبرتو ايكو U.Eco بالعمل المفتوح Opera-Aperta.

ومثل هذا التـّـرقي الذي ينطلق من زائر المعرض وصولا إلى المتلقّي ثم إلى قارئ العمل الفنّي ومؤوّله وانتهاء بالناقد والمنظّر, هو من ذلك الترقّي المتنامي في طريقة تواصلنا مع العمل الفنّي, ومن ثمّة في الفعل الجمالي للأثر الفنّي, إذ العمل الفنّي كما يقول الناقد الفرنسي روني بارجاي. R.Berger ليس موضوعا معطى بصفة مسبقة بل هو النتاج الأخير لمسار تواصلي.

ولا ريب, بقدر حاجياتنا إلى البعد التواصلي من النقد بقدر حاجتنا إلى أسسه المنهجيّة. ولعلّ أهمّ هذه الأسس ما يتعلّق بمقولات التلقّي والاستقبال من داخل فلسفات الذات والتـّـذاوت. و من ثمّة, يؤّدي بنا الأمر إلى ردّ الاعتبار إلى نظريّة التذوّق الفنّي والحكم الجمالي بصفة عامة. فنظرية الإنتاج الإبداعي لا تكفي وحدها لتحقيق حاجيات المشروع النقدي في أبعاده التواصليّة.

وإذا ما استفدنا من مكتسبات النظريات الجمالية الحديثة من جهة ومكتسبات المناهج الحديثة في بقيّة العلوم الإنسانية, من جهة أخرى سنجد إلى أيّ مدى يمثـّـل المتلقّي طرفا رئيسيّا في صياغة الخطاب النقدي على الأسس المنهجية التي بشّرت بها فلسفة الذات الحديثة.

“… وبالفعل, إذن, ليس الجمال شيئا في ذاته, ما لم يرتبط بإحساس الذات” (الذات المبدعة والذات المتذوّقة). هكذا قال الفيلسوف الألماني كانط E.Kant في “نقد الحاكمة”[1]. فهو يرى أنّ الذات المبدعة والمتذوّقة هي ما يشرّع لوجود الشيء الجميل. إذ القيمة الجمالية نسبية وترجع إلى مدى تفاعل الذات مع العمل الفنّي أو الشيء الجمالي بصفة عامة.

بل وقد ظلّ كانط يمثّل الأرضيّة التي صيغت عليها عديد النظريات الجمالية من بعده, حتّى تلك التي نشأت في العشريّات الأخيرة. ومن ذلك كتابات عالم الجمال الأمريكي جورج سانتيانا… ولكن ما يهمّنا ذكره على وجه التحديد كتاب الألماني هانز روبرت ياوس رائد مدرسة كونستونس الألمانية التي اختصّت بجماليّة التلقّي في مجال الدراسات الأدبيّة Rezeptionsästhetik. وفي هذا الكتاب الذي أخرجه سنة 1966 بعنوان “من أجل جماليّة للتلقّي”، يعمل ياوس على إحياء الوظيفة التواصليّة للفنّ من داخل رؤية مشربة بالكانطية وتحتكم إلى هذا التفاعل الحيّ ما بين الذات والموضوع الجمالي.

ولعلّ من أهمّ مزايا ياوس أنّه قد حلّل عمليّة التفاعل هذه إلى لحظتين، فأكّد إمكانية ارتقاء التلقّي الجمالي من لحظة الانفعال إلى لحظة الفعل أي من الوصف والانطباع إلى إنتاج القيم الجمالية للأثر الإبداعي، وذلك بفضل متلقّ حرّ وفاعل ومن داخل المعنى العميق لجدليّة التواصل. فالأثر المبدع له من الفعل Wirkung ما يجعل متلقّيه منفعلا، ولكن لهذا الأخير فعلا آخر يعكسه على هذا الأثر حتّى يصبح فاعلا، بهذا الشكل الجديد يلعب المتلقّي دور باثّ جديد، وبمقتضى ما يتّجه إليه في هذا الفعل المعكوس, يسعى إلى تأكيد مقصديّة خاصة. ويمكن لهذه المقصديّة أن تفهم في إطارها الكانطي لتتواصل من داخل معناها الفينومينولوجي في فلسفة هوسرل Husserl وهو ما يخصّ تحديدا تلك العلاقة المعيشة بين الذات والموضوع. أمّا العمل الإبداعي فيتقبّل بدوره هذا الفعل المتأتّي من المتلقّي وكأنّه إحدى الممكنات المنفتحة التي يبشّر بها في مقصديّته المفتوحة.

ويمكن أن نجد تنويعا آخر لهذه العمليّة المزدوجة (الانفعال والفعل) لدى أمبرتو ايكو الذي ميّز (في مجال القراءة والتأويل) بين مقصديّتين:

- مقصديّة العمل الابداعي .Intentio-operis

- ومقصديّة القارئ Intentio-lectoris وهو ما بدا منذ الفصل الأوّل من كتابه “تخومات التأويل”[2].

موضوع وذات, انفعال وفعل, مقصديّة للعمل الإبداعي وأخرى للقارئ… هل يمكن استثمار الآفاق التواصلية التي تحتملها هذه الثنائيّات في تحوّلاتها المختلفة للارتقاء بالممارسة القرائيّة والاستقباليّة إلى ممارسة نقديّة منتجة؟

هل يمكن تحقيق ذلك إذا ما كان الأثر الجمالي من طبيعة الفنون البصريّة عامّة والتشكيليّة خاصّة, بحيث يتكون العمل الفنّي من لغة حسيّة غير منطوقة؟

لا أدّعي في مثل هذه المحاولة الصغيرة أنّني سأقدّم من الإجابة المستفيضة ما يمكن أن يستوفي حجم مثل هذه الأسئلة. ولا أدّعي أنّني قد أصبت من الحقول المعرفية والعلمية هاهنا ما يكفي لأن نشبع رغبتنا الاستفهامية ونسدّ حاجتنا من طرح الموضوع. ومازلت في طور الرصد البيبليوغرافي الملائم لهذا الأمر الذي كتب فيه الشيء الكثير بين بانوفسكي وروسكن و غامبرج وغيرهم من منظّري الجماليّات و مؤرّخي الفنّ…

ولكن اكتفى في هذا المقام بتحسّس الأسس المنهجيّة الأولى لممارسة نقديّة مثمرة. ويمكن القول أنّ لعبة التفكيك والتركيب في الممارسات النقدية المعاصرة هي الشكل الآخر العملي للحظتي الانفعال والفعل, بل هي ما يمكن أن يمثـّـل محتوى هاتين اللحظتين.

يمكن في اللحظة الأولى أن يقع تفكيك بنية العمل الفنّي التشكيلي وإرجاعها إلى مكوّناتها التقنيّة الجماليّة  الخام (وهي  حركة  من  العمل  الفنّي  إلى  المتلقّي  أو  لحظة  التلقّي  المنفعل reception Passive).

أمّا اللحظة الثانية فتعمل على إعادة تأليف هذه المكوّنات بعد تحويلها إلى عناصر سيميولوجيّة محتملة تكوّن خطابا تعبيريّا وتواصليّا ما, وذلك بالاستناد المتدرّج إلى ثلاث مرجعيّات رؤيويّة وثقافيّة وتاريخيّة وهي “الفنّان” و”المجتمع” و”التاريخ”. وذلك وفق مراس تأويلي وقرائي يستفيد من المناهج الحديثة في العلوم الإنسانية وتحديدا في السيميولوجيا والنظريّة التأويلية وجماليّة التلقّي…

وفي هذه اللحظة الثانية الكبرى يسجّل المنهج نقلة أخرى ولكن من طبيعة معكوسة, هي بمثابة حركة من المتلقّي إلى العمل الفنّي أو لحظة التلقّي الفاعل .(Active reception)

على أنّ الدخول إلى هاتين اللحظتين رهين مرحلة أوليّة يمكن أن تمثّل نوعا من اللحظة الإعدادية. إذ لا يمكن تناول الأثر دون استيفاء شروط المرحلة الإدراكية.

ويمكن اختزال هذه الشروط في عمليّتي الإدراك الحسّي و الإدراك الجمالي في منطلقاتها الانطباعية الخام الأولى, و بمقتضى هذه المرحلة الإعدادية يؤخذ العمل الفنّي بوصفه كلّية حيّة فينومينولوجيّة, أي بوصفه ظاهرة فيزيائيّة (المؤثرات البصرية مثل الحركة والضوء…) لم تنفصل بعد عن الظاهرة الجمالية أو الاحساسية بمؤثراتها التعبيرية. وبقدر ما تكون العلاقة بين الظاهرتين حيّة وعضوية بقدر ما تكون غامضة وتستفزّ عمليّة التلقّي الأوّلي حتّى ترتقي إلى مرحلة القراءة والتأويل ثمّ النقد.

وهكذا فمهمّة النّاقد تنطلق من عمليّة التلقّي الأوّلي ولكنّها تخطو خطوات أكثر فتؤسّس لنفسها مراحل متدرّجة أكثر تعقيدا في سيرورة التعامل مع الأثر الفنّي.

ولمزيد تفصيل هاتين اللحظتين المنهجيّتين الرئيسيّتين يمكن أن نفترض أربع مراحل مترابطة لا تخفي المهام النقدية التي تتوّج وظيفتها أو تتخلّلها:

1- رصد المقوّمات البنائيّة للصورة الفنّية.

2- رصد أو اختبار المقوّمات السيميولوجيّة للصورة إبداعا وتلقّيا.

3- تفحّص الصورة بوصفها “رؤية إلى العالم”.

4- التبادل الثقافي بين الصور وتناسلها من بعضها.

وعليه, يقوم هذا المنهج على استنطاق إحالات العمل الفنّي وممكناته المحتملة (Potentialities) وذلك من خلال إستراتيجية التلقّي والتأصيل… وبقدر التوتّر الإشكالي الذي تثيره إستراتيجية التلقّي وصفا وتحليلا (اللحظة الأولى) من جهة, وقراءة وتأويلا (اللحظة الثانية) من جهة أخرى, بقدر ما يتحقّق مجال الانتقال من الشكل إلى ما بعد – الشكل أي إلى المشكلة.

فالنقد بما هو تفكير منهجي أساسه الاختبار والفحص الحرّ والتقييم هو انتقال من الشكل, الذي نتقبّله فيزيائيّا من خلال البصر ولغة الأضواء والفضاء والمادة والحركة, (أو المؤثّرات متعدّدة الحواسّ في التجارب الفنّية المعاصرة) إلى المشكلة التي نتذهّنها من داخل منظومة اللغة. إنّه انتقال من الفيزياء إلى اللغة ومن الشكل إلى المشكلة.

فحرّي بالممارسة النقدية أن تراهن على إعادة خلق الصورة الفنّية وفق ما تحتمله الصورة الذهنيّة للتمثّل الجمالي داخل المنظومة اللغويّة للنصّ النقدي, بحيث يصبح الشكل خصبا ويستفزّ الحسّ الإشكالي من خلال ما يفرزه من كمّ استفهامي على بساط القراءة…

وهكذا يمكن للنقد الفنّي أن يرسم القيمة الجماليّة للعمل الفنّي ويؤسّس فعله الجمالي. ودون الفعل النقدي يبقى العمل الفنّي أخرس وأصمّ.

إن القيمة الجمالية للعمل الفنّي يؤسّسها الناقد عندما ينتقل من مرحلة التلقّي المنفعل إلى مرحلة التلقّي الفاعل. وفي كتابه “الفنّ والتواصل” يقول الناقد روني برجاي R.Berger  “إنّه بمقتضى الفعل النقدي يتأسّس الفعل الجمالي…” ويقصد من هذا الفعل الأخير الفعل الجمالي للعمل الفنّي[3] .

لقد أردنا من خلال هذا البسط النظري الخاطف النظر في مقوّمات منهجيّة للنقد الفنّي. ورأينا انّه لا يمكن لهذا النشاط أن ينفصل عن سياقه التواصلي وخصوصا في وسائل الإعلام الثقافي, وأنّ الطرف المعني من العمليّة التواصليّة هو المتلقّي والجمهور. إذ المتلقّي ليس طرفا يقع تأسيسه من خلال العمليّة النقديّة, كما أنّ الناقد ليس مجرّد وسيط بين الفنّان وجمهوره. بل المتلقّي بالأساس هو الطرف الأول الذي تتأسس عليه شروط العمليّة النقديّة بتحوّلاتها المختلفة, من مرحلة التلقّي المنفعل إلى مرحلة التلقّي الفاعل ومن اللحظة التفكيكية إلى اللحظة التأليفية. فالمتلقّي ليس كيانا من صنع الناقد, بل هو وليد عبقريّة الفنّ عندما يتمأسس داخل منظومة سوسيو- ثقافيّة حيّة وخصبة (التظاهرات الفنّية / المعارض / المتاحف / ديناميّة الأروقة…) وهو الأب الشرعي للناقد. إذ الناقد قبل أن يكون ناقدا لا بدّ أن يكون متلقّيا ليرتقي فيما بعد إلى المراحل المنهجية المخصوصة من الاختبار والفحص والتأويل وإنتاج الفعل الجمالي للأثر الفنّي. ومن ثمّة, يتسنّى له داخل منظومة تواصليّة أخرى, أن ينتج متلقّيا آخر ينشط ثقافيّا من خلال لغة تفكيرية أكثر تمرّسا بتصريف المعطى الحسّي مع المعيش الذهني.

وما ذكاء هذا المتلقي الجديد إلا من الحركيّة الذكيّة للفعل النّقدي المتدرّج الكفيل بتحويل الحسّي إلى ذهني وتحويل النّظر إلى نظريّة والشّكل إلى مشكلة… ذلك ما يحيلنا إلى مباحثة التأسيس البصري للحاكمة النقديّة في ورقة أخرى تمثّل تطورا مخصوصا لهواجس هذه الورقة الأولى[4].


[1] - Critique de la Faculté de Juger L1.S9

[2] I limiti dell’Interpretazione.Milan 1990

[3] (R.BERGER : Art et Communication, Mutation-Orientations. Casterman, Belgique 1972).

[4]  ويبقى السؤال مطروحا عن طبيعة وسائل الإعلام التي يمكن أن تتحمّل هذا الدور النقدي. فإذا ما جاز لنا أن نمنهج اللغة النقدية و نباحث، بحال من الأحوال،  مساراتها النصيّة المتحرّكة، هل يجوز أن ندرج نشاطها داخل البرامج الوصفيّة والتغطويّة والتحقيقيّة للّغة الصحفيّة. على أي نحو يمكن للمنطوقات الإعلاميّة التي يتحتّم على الناقد أن يتعامل معها، أن تستوعب اللغة النقديّة وخاصة في أعلى درجات ترقّّيها الذهني؟ هل أنّ المتلقي “الآخر” الذي يراهن عليه الناقد (من خلال تعامله مع وسائل الإعلام ) هو نفسه الذي تراهن عليه الخطابات الإعلامية ؟ وكيف يولد هذا المتلقي المنشود في ظلّ هذا التداخل ؟ ألا يؤدي ذلك إلى تشويش الخطاب النقدي نفسه ؟ هل يفترض الأمر أن نباحث لحظة أخرى إضافية، من الأهمية بمكان، حيث يتفاوض السجل النقدي مع البرامج الإعلامية للسجلّ الصحفي؟ … ذلك ما لا يختصّ به هذا المقام وهو موضوع نظر آخر .

 

انشر على الفيسبوك طباعة
التصنيفات: دراسات

اترك تعليقاً


صباح اليوم

"ثابتون على المبدإ" بقلم محمد القبي

اليوم الثالث من ماي سنة 2017 مرت ست سنوات على بعث جريدتنا في الثالث من ماي سنة 2011 في اليوم العالمي لحرية الصحافة خلال هذه الفترة بقينا ثابتين على المبدإ وعلى الخط التحريري الذي رسمناه لأنفسناه بالرغم من غياب الدعم المادي من الجهات الرسمية وغير الرسمية لأننا نرفض الاحتواء واتباع أجندات سياسية معينة وإيديولوجيات بعينها المبدأ الذي اتبعناه منذ البداية هو الدفاع عن المعدمين والفقراء والمظلومين وكشف الحقائق مهما كان مأتاها، شعارنا في ذلك ” الخير مقدس والتعليق حر “دون المس بالآخر أو التجريح فيه أو التشهير به ، ولن ندخر أي جهد في سبيل رفعة تونس وتحقيق الحلم العربي دون نسيان دعمنا للشعوب العربية التي تعاني من ظلم المستعمر ومخطاطاته الإمبريالية وفي مقدمتها فلسطين وسوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر كما أننا ندين الإرهاب بشتى أشكاله ونرفض العنف مهما كان مأتاه،  وسنواصل المسيرة بثبات دون تأثير من الداخل أو من الخارج و سنبقى على اتصال مع الشرفاء والأحرار وكل عام والجميع بألف خير …

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

>

انشر على الفيسبوك

طباعة

فيديو اليوم

téléchargement (34)

صفاقس – “اليوم”:
حوار مع كاهية مدير الدراسات حول تنافسية المؤسسة بالمعهد التونسي للقدرة التنافسية

انشر على الفيسبوك

طباعة

ريشة اليوم

انشر على الفيسبوك

طباعة

لقطة اليوم

FB_IMG_1498085829783

المسرح البلدي بميونخ

 

انشر على الفيسبوك

طباعة

اكسبرس

téléchargement

هل سيقدر الشاهد على تنفيذ وعوده؟

اتخذ رئيس الحكومة يوسف الشاهدجملة من القرارات لفائدة ولاية صفاقس أثناء زيارته لها مؤخرا ، وسيفعل نفس الشيء بالنسبة إلى ولاية تطاوين وإلى خمس ولايات أخرى  ، فهل سيقدر الشاهد على تنفيذ وعوده؟لننتظر لنرى النتائج …

محمد القبي

انشر على الفيسبوك

طباعة