العجز المالي في تونس يتجاوز 8 مليارات دينار والنقابات ترفض التقشف
تدخل المالية العمومية في تونس مرحلة دقيقة مع تجاوز العجز المالي مستوى 8 مليارات دينار، في وقت تبحث فيه الدولة عن موارد إضافية لتغطية النفقات وسداد الديون وتمويل الخدمات الأساسية. ويأتي هذا الوضع وسط تباطؤ اقتصادي نسبي، وارتفاع كلفة الدعم، وتزايد أعباء الأجور والتحويلات الاجتماعية.
وتواجه الحكومة معادلة صعبة بين الحفاظ على التوازنات المالية والاستجابة للمطالب الاجتماعية. فالإجراءات التي قد تساعد على تقليص فجوة التمويل، مثل تجميد الانتدابات أو الحد من الزيادات في الأجور أو مراجعة الدعم، تثير رفضاً نقابياً واسعاً خشية انعكاسها على القدرة الشرائية وفرص العمل ومستوى الخدمات العامة.
أرقام العجز تكشف اتساع فجوة التمويل
لا يرتبط العجز المالي التونسي بعامل واحد، بل يتشكل من تراكم ضغوط امتدت لسنوات. فقد ارتفعت حاجات الدولة إلى الاقتراض مع تراجع موارد بعض المؤسسات العمومية، وضعف الاستثمار، وتزايد فاتورة الطاقة والمواد الأساسية. كما ساهم ارتفاع أسعار الفائدة في زيادة كلفة خدمة الدين، ما جعل جزءاً كبيراً من الميزانية موجهاً إلى تسديد الأقساط والفوائد بدلاً من تمويل التنمية.
وتشير قيمة العجز التي تجاوزت 8 مليارات دينار إلى اتساع الفارق بين الموارد والنفقات، لكنها لا تعكس وحدها كل المخاطر المحيطة بالمالية العمومية. فالدولة تحتاج أيضاً إلى توفير سيولة دورية لتسديد الأجور، وتمويل المؤسسات العمومية، وتغطية النفقات الطارئة. وتقدم التغطية التونسية متابعة متواصلة للملفات الاقتصادية والسياسية التي تفسر خلفيات هذه الضغوط.
ويزيد الوضع تعقيداً ارتباط جزء من الموارد المتوقعة بفرضيات نمو قد لا تتحقق بالكامل. فإذا تراجع النشاط الاقتصادي أو انخفضت المداخيل الجبائية، فقد تضطر الحكومة إلى مراجعة تقديراتها والبحث عن تمويل إضافي. كما أن تأخر الإصلاحات الهيكلية يرفع كلفة الانتظار، خصوصاً في قطاعات الطاقة والنقل والصناديق الاجتماعية.
حزمة التقشف تضع الحكومة أمام اختبار اجتماعي
تتجه السلطات عادة في مثل هذه الظروف إلى مجموعة من التدابير الهادفة إلى كبح الإنفاق. وقد تشمل هذه التدابير التحكم في كتلة الأجور، وتأجيل بعض الانتدابات، وإعادة ترتيب المشاريع العمومية، وتقليص النفقات الإدارية، إلى جانب مراجعة آليات الدعم وتوسيع قاعدة المساهمين في الجباية.
غير أن هذه الخيارات لا تحظى بالقبول نفسه لدى مختلف الأطراف. فالاتحاد العام التونسي للشغل يرى أن تحميل الموظفين والعمال كلفة الأزمة سيؤدي إلى مزيد من تدهور المقدرة الشرائية، خاصة مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسكن والنقل. كما يخشى أن يتحول تجميد الأجور إلى سياسة طويلة المدى لا تراعي تراجع قيمة الدينار وارتفاع التضخم.
وترفض النقابات حزمة التقشف بصيغتها الحالية لأنها تعتبرها معالجة محاسبية لعجز له أسباب سياسية واقتصادية أعمق. وتطالب بفتح حوار شامل حول مصادر التمويل، ومراجعة الامتيازات الجبائية، ومقاومة التهرب الضريبي، ومحاسبة المسؤولين عن سوء التصرف في المؤسسات العمومية قبل فرض أعباء جديدة على الأجراء.
صراع الأجور يهدد بتوسيع دائرة الاحتجاج
تحتل الأجور موقعاً مركزياً في الخلاف بين الحكومة والنقابات. فكتلة الأجور تمثل بنداً كبيراً من نفقات الدولة، لكن العاملين في القطاع العام يؤكدون أن الزيادات التي تحققت خلال السنوات الماضية لم تعدل آثار الغلاء. ويشيرون إلى أن الأسعار ارتفعت بوتيرة تفوق نمو الدخول، ما جعل الزيادة الاسمية غير كافية لتحسين مستوى المعيشة.
وترى السلطة التنفيذية أن أي تعديل جديد في الأجور يجب أن ينسجم مع قدرة الميزانية، حتى لا يؤدي إلى توسيع العجز أو زيادة الاقتراض. أما الاتحاد العام التونسي للشغل فيعتبر الاتفاقات السابقة ملزمة، ويرفض ربط تنفيذها بشروط مالية جديدة. ويأتي هذا التوتر في سياق شهد تحركات الشغل الأخيرة احتجاجات وتحذيرات من الإضراب في القطاع العام بسبب ملف الأجور.
وقد يتخذ التصعيد أشكالاً متعددة، تبدأ بالبيانات والوقفات الاحتجاجية، ثم الإضرابات القطاعية أو الإضراب العام إذا تعثرت المفاوضات. ويؤثر هذا الاحتمال في انتظام الخدمات العمومية، كما يربك المؤسسات الاقتصادية التي تحتاج إلى وضوح في السياسات المالية والاجتماعية. لذلك يصبح الحوار الاجتماعي وسيلة لتقليص الخسائر، لا مجرد إجراء شكلي لتأجيل المواجهة.
الدعم والإصلاحات الهيكلية في قلب الأزمة
يمثل نظام الدعم أحد أكثر الملفات حساسية في المالية التونسية. فالدعم العام يستهلك موارد مهمة، لكنه يوفر حماية نسبية للأسر محدودة الدخل. وتكمن المشكلة في أن الاستفادة منه لا تقتصر دائماً على الفئات المحتاجة، ما يفتح الباب أمام مقترح استبداله بتحويلات مالية مباشرة أو دعم موجه حسب الدخل.
وتخشى النقابات ومنظمات اجتماعية أن تؤدي الزيادة المفاجئة في أسعار المحروقات أو المواد الأساسية إلى موجة تضخم جديدة. كما أن التحويلات المباشرة تحتاج إلى قواعد بيانات دقيقة وآليات دفع شفافة، حتى لا تتحول عملية الإصلاح إلى مصدر إقصاء لفئات لا تستطيع إثبات حاجتها أو لا تصلها المساعدات في الوقت المناسب.
ولا يمكن معالجة العجز بصورة مستدامة من خلال الضغط على الإنفاق وحده. فالإصلاح يتطلب تحسين إنتاجية المؤسسات العمومية، وتنويع مصادر الطاقة، وتسريع الاستثمار، وتبسيط الإجراءات أمام الشركات، وإعادة بناء الثقة في الإدارة الجبائية. كما تحتاج الدولة إلى مراجعة منظومة الإعفاءات والامتيازات، ومكافحة التهرب الضريبي دون خنق المؤسسات الصغرى والمتوسطة.
مسارات الخروج من مأزق الدين والعجز
يحتاج التعامل مع الأزمة إلى اتفاق واضح بين الحكومة والنقابات وأرباب العمل والفاعلين السياسيين حول الأولويات. ويمكن أن يبدأ ذلك بإعلان الأرقام الحقيقية للمالية العمومية، وتحديد آجال الإصلاح، ونشر نتائج المتابعة الدورية حتى لا تبقى القرارات الاقتصادية محاطة بالغموض. الشفافية هنا ضرورية لتقليص الشائعات وبناء حد أدنى من الثقة.
كما يمكن اعتماد إصلاح تدريجي لكتلة الأجور يربط الزيادات بالتضخم والإنتاجية، مع حماية أصحاب الدخول الضعيفة. ويتيح هذا الخيار تجنب التجميد الكامل الذي يضر بالموظفين، وتجنب الزيادات غير المدروسة التي توسع العجز. وفي المقابل، يتعين ضبط الانتدابات وفق حاجات حقيقية، وتوجيه الموارد البشرية إلى الصحة والتعليم والنقل والخدمات التي تعاني نقصاً واضحاً.
أما على مستوى الموارد، فإن توسيع القاعدة الجبائية قد يكون أكثر عدالة من رفع الضرائب على الفئات نفسها في كل مرة. ويتطلب ذلك إدماج جزء من الاقتصاد الموازي، وتحسين الرقمنة، وتسهيل التصريح بالمداخيل، وربط محاربة التهرب الضريبي برقابة مستقلة وفعالة. ويمكن للدولة كذلك أن تفاوض على آجال الدين وشروطه، شرط أن تقترن إعادة الجدولة بخطة إصلاح قابلة للقياس.
إن تجاوز العجز المالي لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتقليص الحقوق الاجتماعية أو تعطيل الاستثمار. فالاستقرار المالي والاستقرار الاجتماعي مرتبطان، وأي سياسة تتجاهل أحدهما ستعيد إنتاج الأزمة في صورة جديدة. المطلوب هو توزيع كلفة الإصلاح بعدالة، وحماية الفئات الأضعف، وربط التقشف المؤقت بإجراءات تنمية حقيقية تخلق موارد وفرص عمل.
ستظل مواجهة العجز المالي واختلاف الحكومة والنقابات حول الأجور والدعم من أبرز الملفات المؤثرة في المشهد التونسي خلال الفترة المقبلة. تابعوا المستجدات والتحليلات الاقتصادية والاجتماعية عبر منصة اليوم، لفهم انعكاسات القرارات الجديدة على المالية العمومية والعمال والأسر والمؤسسات.