هدنة جديدة في اليمن بين الحكومة والحوثيين برعاية أممية
دخلت الهدنة الإنسانية الجديدة في اليمن حيز التنفيذ بعد أسابيع من المفاوضات المكثفة بين الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً وجماعة أنصار الله (الحوثيين)، تحت رعاية الأمم المتحدة ووساطة المبعوث الأممي الخاص. ويأتي هذا التطور في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزايد المعاناة الإنسانية مع تراجع الإيرادات العامة وارتفاع معدلات الفقر، ما يجعل من أي تهدئة بارقة أمل لملايين اليمنيين الذين أنهكهم النزاع منذ عام 2014، وخصوصاً في ظل تداعيات اقتصادية إقليمية ودولية غير مسبوقة تعيد رسم موازين القوى في المنطقة.
تكتسب هذه الجولة من التفاهمات أهمية خاصة لأنها تتزامن مع تصاعد الضغوط الدولية لوقف إطلاق النار، ومع تطلعات إقليمية لإعادة رسم ملامح المرحلة الانتقالية. وتشير التقديرات الأولية إلى أن بنود الاتفاق تمتد لعدة أشهر قابلة للتجديد، وتشمل وقف العمليات العسكرية على الجبهات كافة، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية عبر الموانئ والمطارات، وفتح الطرقات الرئيسية المغلقة منذ سنوات. ويؤكد دبلوماسيون أن الطريق لا يزال طويلاً نحو سلام دائم، إلا أن مجرد تثبيت وقف إطلاق النار يعد إنجازاً دبلوماسياً في حد ذاته يفتح أفقاً جديداً أمام التسوية.
جذور المواجهة ومسار المفاوضات
نشأت الأزمة اليمنية في أعقاب سيطرة جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، ثم تصاعدت بشكل دراماتيكي بعد تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية في مارس 2015. ومنذ ذلك الحين، تعاقبت جولات من المفاوضات في الكويت (2016)، والسويد (2018)، والرياض، وصولاً إلى المحادثات الأخيرة في مسقط وصنعاء. وقد فشلت أغلب هذه المسارات في التوصل إلى اتفاق شامل، بسبب تعارض الأجندات واختلاف تفسيرات القرارات الدولية، لا سيما القرار 2216 الذي يطالب بانسحاب الحوثيين من المدن وتسليم الأسلحة الثقيلة.
شهدت الأشهر الماضية تصاعداً ملحوظاً في حدة المواجهات العسكرية في عدد من المحافظات، إلى جانب تجدد الضربات المتبادلة التي أودت بحياة مدنيين وأثرت على البنية التحتية للقطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والكهرباء. ومع تزايد الانعكاسات الاقتصادية للحرب على الداخل السعودي والإقليم بأسره، تعززت قناعة أطراف إقليمية ودولية بضرورة الدفع نحو تهدئة شاملة. كما لعبت القنوات الخلفية دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر، بعيداً عن الإعلام والاتصالات الرسمية، وهو ما يعكسه الحضور المكثف للوسطاء العمانيين والقطريين والمصريين في أروقة التفاوض.
بنود الهدنة وآليات التنفيذ
تتضمن الهدنة الجديدة، بحسب ما تسرب من مصادر دبلوماسية، خمسة محاور رئيسية: أولها الوقف الكامل لإطلاق النار على الجبهات كافة، مع إنشاء غرفة عمليات مشتركة لرصد أي خروقات. وثانيها فتح طرق تعز والمخا وغيرها من المحاور المغلقة، بما يخفف الحصار عن المدن المحاصرة منذ سنوات. وثالثها تكثيف الرحلات الجوية من مطار صنعاء الدولي وفق جدول زمني محدد. ورابعها البدء بتبادل الأسرى والمعتقلين على مراحل، استناداً إلى اتفاق ستوكهولم. وخامسها تسهيل دخول سفن الوقود إلى ميناء الحديدة وفق آلية تحقق أممية.
| البند | الآلية | جهة المتابعة |
|---|---|---|
| وقف إطلاق النار | غرفة عمليات مشتركة ولجنة اتصال ميدانية | المبعوث الأممي والأطراف المحلية |
| فتح الطرقات | ترتيبات أمنية على المنافذ وتسيير دوريات | لجان محلية بإشراف أممي |
| تشغيل المطار | زيادة عدد الرحلات والوجهات | الأمم المتحدة وسلطة الطيران المدني |
| تبادل الأسرى | قوائم متبادلة وصياغة اتفاق تفصيلي | اللجنة الدولية للصليب الأحمر |
| المساعدات الإنسانية | إدخال الوقود وفتح الموانئ | برنامج الأغذية العالمي ووكالات إغاثة |
تولي الأمم المتحدة أهمية خاصة لآليات الرصد والمتابعة، إذ أنتجت تجارب سابقة مثل اتفاق ستوكهولم حالة من الترقب الحذر إزاء قدرة هذه الاتفاقات على الصمود. وتشير المعطيات إلى أن أي خرق واسع قد يقوض المكتسبات الإنسانية المحدودة للهدنة، لا سيما مع تصاعد الخطاب التصعيدي بين الحين والآخر من أطراف مختلفة، أو مع أي محاولة لتغيير قواعد الاشتباك على الأرض بحجة الرد على الاستفزازات الميدانية.
الدور الأممي ومسار الوساطة
يقود المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ مسار الوساطة منذ تعيينه في 2021، مستفيداً من شبكة اتصالاته الواسعة مع الرياض ومسقط وطهران وصنعاء. ويسعى غروندبرغ إلى تحويل الهدنة الإنسانية إلى إطار سياسي أشمل يفتح باب المفاوضات حول الحل النهائي، استناداً إلى المرجعيات الثلاث المعروفة: المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات الحوار الوطني الشامل، وقرار مجلس الأمن الدولي 2216. ويؤكد مقربون من الملف أن الضغط الدولي يمارس بوتيرة متصاعدة لإقناع الأطراف بأن الحل العسكري بات مستحيلاً.
تؤكد مصادر أممية أن نجاح الهدنة مرهون بمدى استجابة الأطراف الإقليمية الضاغطة، وفي مقدمتها السعودية وإيران اللتان تقودان مسار التقارب في المنطقة. ويرى مراقبون أن أي انفراج حقيقي يستلزم تنازلات متبادلة، تشمل التخلي عن الشروط التعجيزية في ملف الاقتصاد والبنك المركزي، إلى جانب ضمانات بعدم استخدام فترات التهدئة لإعادة التموين العسكري. وفي هذا السياق، تبرز مبادرات الحوار الإنساني التي تتناول أبعاداً غير مباشرة للصراع وتدعم مسارات التقارب المجتمعي.
ردود الفعل الإقليمية والدولية
لاقت الهدنة ترحيباً واسعاً من أطراف إقليمية ودولية متعددة. فقد أعربت الولايات المتحدة وبريطانيا عن أملهما في أن تشكل هذه الخطوة بداية لحل سياسي شامل يعيد لليمن استقراره وموقعه في محيطه الخليجي والعربي. كما رحبت السعودية بالاتفاق، مؤكدة أن الرياض تدعم كل ما يحقق الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة. وفي المقابل، يرى الحوثيون أن الهدنة يجب أن تشمل أيضاً رفع الحصار البحري والجوي بالكامل، وفتح ميناء الحديدة أمام حركة الملاحة الدولية دون قيود، معتبرين أن أي تهدئة من دون ذلك تبقى جزئية.
على المستوى الشعبي، تفاوتت ردود الفعل بين التفاؤل الحذر والشكوك العميقة، في ضوء التجارب المريرة السابقة مع اتفاقات مماثلة انهارت بعد أسابيع من إعلانها. ويخشى كثيرون من أن تتحول الهدنة إلى أداة لتكريس الأمر الواقع وتقاسم النفوذ بين القوى المتصارعة، بدل أن تكون مقدمة لحل شامل يعالج جذور الأزمة. وفي هذا الإطار، يواصل كثير من اليمنيين متابعة تقارير وتحليلات في محاولة لفهم الديناميات المعقدة للصراع وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية على حياة الناس اليومية.
تحديات التطبيق وآفاق السلام
تواجه الهدنة الجديدة جملة من التحديات الجوهرية، أبرزها هشاشة الثقة بين الأطراف، ووجود جبهات مسلحة متعددة خارج سيطرة الحكومة المركزية أو الجماعة الحوثية، بما في ذلك تنظيمات متطرفة وتنظيمات قبلية ذات ولاءات متغيرة. كما أن استمرار سيطرة الجماعة على صنعاء وأجزاء واسعة من الشمال يقلص من قدرة الدولة على فرض سيادتها الكاملة حتى في حال تطبيق الاتفاق. وتعد قضية الاقتصاد، وتحديداً ملف البنك المركزي اليمني وطباعة العملة، من أكثر الملفات تعقيداً، إذ تعكس صراعاً على الموارد والنفوذ يتجاوز البعد العسكري إلى البعد الإداري والمالي.
على المدى البعيد، يربط محللون بين نجاح الهدنة الراهنة وقدرة المجتمع الدولي على دفع الأطراف نحو مفاوضات شاملة، تشمل صياغة دستور جديد والانتقال إلى نظام سياسي أكثر تمثيلاً للقوى الاجتماعية والمناطقية. غير أن الانقسامات الداخلية في كل من المعسكرين، إلى جانب التدخلات الخارجية المتعددة، تجعل من هذا المسار شاقاً وبطيئاً ويحتاج إلى صبر طويل. وفي كل الأحوال، يبقى الرهان الأساسي على الإرادة السياسية، وعلى قدرة اليمنيين أنفسهم على تحويل هذه اللحظة التاريخية إلى فرصة حقيقية لإنهاء الحرب وإعادة البناء على أسس أكثر عدالة واستقراراً.
حرصاً من موقع اليوم على مواكبة مستجدات المشهد اليمني والعربي، ندعوكم لمتابعة تغطياتنا المتواصلة وتحليلاتنا المعمقة حول هذا الملف وغيره من القضايا الإقليمية والدولية. اشتركوا في نشرتنا الإخبارية وتابعونا عبر منصاتنا المختلفة لتبقوا على اطلاع بكل جديد يهم القارئ العربي في كل مكان.