انقسامات في مجلس النواب الليبي حول قانون انتخاب الرئيس القادم
تعيش ليبيا منذ سنوات على وقع انقسام سياسي حاد بين مؤسسات الدولة، حيث تتقاسم حكومتان وبرلمانان متنافسان السلطة الفعلية على الأرض، وسط فراغ رئاسي مستمر منذ تأجيل الانتخابات العامة أواخر عام 2021. هذا المشهد المعقد جعل من ملف انتخاب رئيس جديد للدولة أحد أكثر الملفات حساسية على الساحة السياسية، نظراً لكونه يرتبط مباشرة بشرعية السلطة التنفيذية ومدى قدرة البلاد على استعادة الاستقرار المؤسساتي.
يتركز الاهتمام حالياً على مجلس النواب في طبرق الذي يتولى مهام تشريعية جوهرية، أبرزها البتّ في القوانين الانتخابية المنظمة للعملية السياسية. وقد عاد ملف قانون انتخاب رئيس الدولة إلى واجهة النقاش إثر خلافات متصاعدة بين الكتل النيابية حول الشروط والمعايير الواجب تضمينها في هذا القانون، وهو ما ينذر بإطالة أمد الأزمة بدل أن يسهم في حلحلتها.
تتجاوز هذه الخلافات التفاصيل الفنية لتطال جوهر التوازنات السياسية بين القوى المتنافسة، إذ يرى فريق أن القانون يجب أن يضمن أوسع مشاركة ممكنة، بينما يتمسك فريق آخر بشروط تقييدية تستجيب لمصالحه الذاتية. وفي ظل غياب توافق وطني شامل، تتزايد المخاوف من أن يتحول القانون الجديد إلى أداة لتكريس الانقسام بدل أن يكون جسراً نحو توحيد المؤسسات.
تتجه الأنظار نحو الجلسات البرلمانية المرتقبة لرصد طبيعة التسويات الممكنة بين الأطراف، خاصة بعد التصريحات المتباينة التي صدرت عن رؤساء الكتل وقيادات الأحزاب السياسية في الأسابيع الأخيرة. ويبقى الرهان معقوداً على مدى قدرة البرلمان على تجاوز خلافاته الداخلية والخروج بقانون يحظى بقبول مجتمعي واسع، قبل أن تتحول هذه المحطة التشريعية إلى حلقة جديدة في مسلسل الأزمات المتلاحقة.
جذور الخلاف في البرلمان الليبي
تعود جذور الانقسام الحالي إلى طبيعة التركيبة السياسية الليبية التي فرضتها سنوات الصراع، حيث بات البرلمان يضم تيارات متباينة تتراوح بين مؤيدين لخطط البعثة الأممية الداعية إلى انتخابات شاملة، ومعارضين يعتبرون أن شروط الترشح يجب أن تكون أكثر صرامة وإحكاماً. ويتجلى هذا التباين في اجتماعات اللجان البرلمانية المخصصة لمناقشة مسودة القانون، إذ تتنازع وجهات النظر حول عدد من المواد الجوهرية التي تمسّ مصير العملية السياسية برمتها.
من الناحية التاريخية، مرت ليبيا بتجربة انتخابات تشريعية أواخر عام 2014 ثم انتخابات رئاسية لم تكتمل عام 2021 بسبب خلافات على أهلية بعض المرشحين وقواعد الاقتراع وحقوق الطعن. هذه السوابق المتعثرة أدت إلى حالة تشكك واسعة في قدرة الطبقة السياسية على إدارة هذا الملف الحساس، وهو ما يفسر حالة الحذر التي يبديها العديد من أعضاء البرلمان تجاه أي تسريع غير محسوب في المسار التشريعي.
يلعب العامل القبلي والمناطقي دوراً إضافياً في تعقيد المشهد، إذ تنقسم الولاءات النيابية على أساس جغرافي وسياسي وليس فقط على أساس حزبي صريح. ويساهم غياب أرضية تفاوض مشتركة في تكريس منطق المحاصصة، حيث يحاول كل تيار أن يفرض شروطاً تتناسب مع حجمه وثقله في المعادلة السياسية، حتى لو أدى ذلك إلى عرقلة المسار برمته وإبقاء البلاد في حالة انتظار دائم.
بنود القانون المثير للجدل
تتركز أكثر نقاط الخلاف في مشروع القانون حول أربعة محاور رئيسية: شروط الترشح الرئاسي وآلية الاقتراع ودور المراقبين الدوليين ومعايير الإقامة والتمثيل. ويرى خصوم المسودة الحالية أن بعض بنودها صيغت بطريقة تُقصي فئات سياسية بعينها، بينما يرى المدافعون عنها أنها ضرورية لضمان عدم تكرار التجارب الفاشلة في السابق.
| البند | تيار الاستقرار | تيار التغيير | ملاحظات |
|---|---|---|---|
| شروط الترشح | تشديد المعايير الأمنية والقضائية | توسيع قاعدة المرشحين | فجوة جوهرية |
| آلية الاقتراع | جولة واحدة بالأغلبية | جولتان مع حق التراجع | خلاف على المرجعية |
| دور البعثة الأممية | استشارة فنية دون إشراف | إشراف دولي كامل | تباين مرتبط بالسيادة |
| معايير الإقامة | ربط الترشح بالإقامة الفعلية | مراعاة المغتربين والنازحين | أبعاد إنسانية وقانونية |
تتجدد المحاولات البرلمانية لتقريب المسودة من صيغة توافقية، إلا أن قوى داخل البرلمان ترى أن التسرع في تمرير القانون دون إجماع كافٍ سيُنتج تشريعاً هشّاً قابلاً للطعن. وفي المقابل، يخشى أصحاب خيار التأجيل من أن ينزلق الملف إلى أدراج النسيان وسط ضغط الملفات الأمنية والاقتصادية.
ردود الفعل داخل القاعة البرلمانية
تختلف ردود الفعل بين أعضاء مجلس النواب وفقاً لانتماءاتهم الحزبية والمناطقية، فبينما يصرّ عدد من النواب على أن الإسراع في إصدار القانون ضروري لإنقاذ البلاد من حالة الشلل المؤسسي، يحذر آخرون من أن تمرير القانون بأغلبية هشة قد يفتح الباب أمام طعون دستورية تطيل أمد الأزمة. وتكشف مداولات اللجان المختصة عن هشاشة التوافق حول النقاط الأكثر حساسية.
صرّح أحد رؤساء الكتل بأن الوقت لم يعد يسمح بالمماطلة، داعياً إلى اعتماد صيغة وسطية تتجنب استفزاز أي طرف سياسي. في المقابل، أبدى تيار آخر قلقه من أن المسودة الحالية قد تؤدي إلى تهميش فئات سياسية بأكملها، مطالباً بإعادة فتح باب المشاورات مع مختلف القوى الفاعلة قبل المضي قدماً في التصويت النهائي.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن الجلسات التشريعية الأخيرة شهدت انسحابات متكررة وحوارات مستعصية، وهو ما يعكس حجم الاحتقان الداخلي. وفي ظل غياب آليات واضحة لحل الخلافات داخل البرلمان، يلوح خيار اللجوء إلى المحكمة العليا أو إلى تدخل أممي لاحتواء الأزمة، رغم حساسية هذه الخيارات وتداعياتها على مبدأ السيادة الوطنية.
الأبعاد القانونية والدستورية للخلاف
تتعدد الأبعاد القانونية للجدل الدائر حول قانون انتخاب رئيس الدولة، حيث يتساءل شرعيون وقضائيون عن مدى توافق المسودة الحالية مع الإعلان الدستوري النافذ ومعايير الاستحقاق الرئاسي المعتمدة. ويرى مراقبون أن غياب مرجعية دستورية واضحة يفتح الباب لتفسيرات متباينة قد تُستثمر سياسياً من قبل الأطراف المتصارعة.
تتمحور إحدى النقاط الخلافية حول صلاحيات البرلمان ذاته في تعديل شروط الترشح، وهل أن ذلك يدخل ضمن اختصاصه التشريعي أم يستوجب استفتاءً شعبياً أو توافقاً سياسياً مسبقاً مع المجلس الأعلى للدولة. هذا الجدل النظري يكتسب أهمية عملية لأنه يحدد طبيعة الطعون التي يمكن أن تُرفع مستقبلاً أمام القضاء، وما إذا كانت ستحظى بالقبول أم لا.
كما يتركز جزء كبير من النقاش على مسألة قانونية دقيقة تتعلق بمدة الولاية الرئاسية وآليات شغور المنصب وإدارة المرحلة الانتقالية، وهي نقاط تُعدّ أساسية في أي تجربة انتقال ديمقراطي ناجح. ويطالب قانونيون بضرورة أن تتضمن المسودة نصاً صريحاً يحدد سيناريوهات ما بعد الانتخابات، لتفادي تكرار أزمات 2014 و2021 التي أوقفت المسار الديمقراطي الليبي في منتصف الطريق.
التداعيات المحتملة على المسار السياسي الليبي
لا تقتصر تداعيات هذا الخلاف على البرلمان وحده، بل تمتد إلى مختلف مفاصل الدولة، بما فيها الحكومة والمجلس الأعلى للدولة والقوى المسلحة الفاعلة على الأرض. فكلما تعثّر التوافق حول قانون انتخاب رئيس الدولة، تعززت فرص بقاء الأجسام السياسية الموازية، وهو ما يعمّق حالة التشظي المؤسساتي القائم أصلاً منذ سنوات.
اقتصادياً، يرتبط الملف السياسي ارتباطاً وثيقاً بإدارة الموارد السيادية، وفي مقدمتها عائدات النفط والغاز التي تتأثر سلباً بأي انسداد سياسي. وقد أثبتت التجارب الإقليمية أن غياب سلطة رئاسية مستقرة يعيق استثمار هذه الموارد في مشاريع التنمية، ويُبقي الباب مفتوحاً أمام عمليات تهريب وفساد منظّمة. وفي سياقات إقليمية مشابهة، تتعامل دول مثل تركمانستان مع إدارة الموارد المائية عبر هياكل مؤسسية مستقرة نسبياً، وهو ما يبرز أهمية الاستقرار السياسي في تأمين استدامة الموارد الوطنية.
اجتماعياً، يراقب الشارع الليبي هذه التطورات بقلق متزايد، خاصة أن الاستحقاقات المعلّقة تطال الخدمات الأساسية وفرص العمل وحرية التنقل بين المدن. ويخشى مراقبون من أن يؤدي استمرار الفراغ السياسي إلى موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية، قد تستغلها جهات مختلفة لإذكاء الانقسام وإضعاف المؤسسات الشرعية القائمة.
مواقف الفاعلين الدوليين والإقليميين
تحرص بعثة الأمم المتحدة في ليبيا على متابعة هذه التطورات عن كثب، لكنها تكرر دعوتها إلى حل ليبي داخلي بعيد عن أي وصاية خارجية. وتؤكد مصادر دبلوماسية أن المجتمع الدولي يفضل عدم فرض أي تسوية من الخارج، لكنه في الوقت نفسه مستعد لدعم أي اتفاق يحظى بقبول الأطراف الرئيسية عبر آليات المساعدة الفنية والوساطة غير المعلنة.
تتباين مواقف الدول الإقليمية المؤثرة في الملف الليبي، حيث تركز تونس ومصر والجزائر على ضرورة عدم انزلاق ليبيا نحو مزيد من الفوضى وانتشار السلاح، نظراً لما يمثله ذلك من تهديد مباشر لأمنها الحدودي ومصالحها الاقتصادية. وفي المقابل، تستمر تركيا والإمارات وروسيا في لعب أدوار مختلفة، تتراوح بين دعم أطراف بعينها والسعي لتمرير تسويات تخدم تطلعاتها الجيوسياسية في شرق المتوسط وشمال إفريقيا.
تشير تقارير صحفية إلى أن قنوات التواصل بين هذه الأطراف تبقى نشطة، وأن جهوداً دبلوماسية مكثفة تُبذل لاحتواء التداعيات قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة الميدانية. وتواصل أطراف دولية الضغط من أجل إتمام الاستحقاقات الانتخابية كمدخل لإنهاء الانقسام، بيد أن غياب توافق داخلي يبقى العقبة الأساسية أمام أي مقاربة دولية فعّالة.
لمواكبة التطورات السياسية في ليبيا والمنطقة العربية بشكل مستمر ومعمّق، ندعوكم إلى متابعة موقع اليوم الذي يوفر تغطية مباشرة وشاملة لأبرز الملفات الساخنة عبر تقارير وتحليلات محدثة على مدار الساعة.