مرحباً بكم في موقع اليوم al-yawm.com

ارتفاع ضحايا حوادث الطرق في تونس إلى 1200 قتيل خلال 2024

سجّلت تونس خلال عام 2024 حصيلة ثقيلة لحوادث الطرق، بعدما بلغ عدد الوفيات نحو 1200 شخص، وفق المعطيات المتداولة حول السلامة المرورية. ويكشف هذا الرقم عن استمرار أزمة إنسانية واجتماعية تتجاوز حدود الإحصاءات، إذ تترك كل وفاة أسرة مفجوعة وتداعيات اقتصادية ونفسية تمتد لسنوات.

ولا ترتبط هذه الخسائر بعامل واحد، فالحوادث تنتج عادة عن تداخل السرعة، والتجاوز الخطر، واستعمال الهاتف أثناء القيادة، وضعف الإنارة، وحالة الطرقات، إلى جانب سلوك بعض مستعملي الطريق. كما يضاعف انتشار الدراجات النارية وغياب وسائل الحماية الملائمة حجم الإصابات البليغة في عدد كبير من الاصطدامات.

وتعيد الحصيلة السنوية ملف النقل والسلامة العامة إلى واجهة النقاش في تونس، خصوصاً مع ارتفاع عدد الجرحى وتزايد الضغط على المستشفيات وخدمات الإسعاف. ويحتاج التعامل مع الظاهرة إلى سياسة متكاملة توازن بين الردع، وتحسين البنية التحتية، والتوعية، وسرعة التدخل عند وقوع الحادث.

أرقام تكشف اتساع أزمة المرور

يمثل سقوط 1200 قتيل خلال عام واحد مؤشراً مقلقاً على مستوى السلامة المرورية في البلاد. ولا تقتصر دلالة الرقم على الوفيات المسجلة في مكان الحادث أو المستشفى، بل تشمل أيضاً عائلات فقدت مصدر دخلها وأطفالاً حُرموا من أحد الوالدين، فضلاً عن مصابين يواجهون إعاقات دائمة أو علاجاً طويلاً ومكلفاً.

وتزداد خطورة الوضع عندما تُقرأ الوفيات إلى جانب أعداد الجرحى وحوادث السير اليومية في المدن والطرقات الوطنية والريفية. فالحادث الواحد قد يؤدي إلى شلل مؤقت في حركة المرور، واستنزاف موارد الحماية المدنية، وتحويل سيارات الإسعاف والطواقم الطبية من حالات أخرى إلى موقع التصادم.

كما يصعب بناء استجابة دقيقة من دون بيانات مفصلة ومحدثة. ويشمل ذلك تحديد مواقع الحوادث، وأعمار الضحايا، ونوع المركبات، ووقت وقوع الاصطدام، وحالة الطقس والطريق، والسبب المباشر للحادث. ويساعد نشر هذه المؤشرات بانتظام على توجيه الاستثمارات نحو النقاط الأكثر خطراً بدلاً من الاكتفاء بحملات عامة.

سلوك السائقين في قلب الأسباب

تُعد السرعة المفرطة من أبرز العوامل التي تزيد احتمال وقوع الاصطدام وتضاعف شدة الإصابات. فعندما تتجاوز المركبة السرعة الملائمة للطريق، يقل الوقت المتاح أمام السائق للفرملة أو تفادي المشاة والمركبات الأخرى. كما تصبح نتائج الحادث أكثر قسوة حتى عند استخدام حزام الأمان.

ويأتي استعمال الهاتف أثناء القيادة ضمن السلوكيات التي تشتت الانتباه لثوانٍ قد تكون حاسمة. وينطبق الأمر نفسه على القيادة تحت تأثير التعب أو الكحول أو بعض الأدوية، وعلى التجاوز في أماكن ممنوعة، وعدم احترام الأولوية، والقيادة عكس الاتجاه. وتزداد المخاطر حين يعتقد السائق أن الوصول بسرعة أهم من الالتزام بقواعد المرور.

وتحتاج مكافحة هذه السلوكيات إلى رقابة مستمرة، لا إلى حملات موسمية مرتبطة بالعطل والأعياد فقط. فالكاميرات والرادارات يمكن أن تساعد في رصد السرعة والمخالفات، لكن فعاليتها ترتبط بوضوح القانون وسرعة تطبيق العقوبة وعدالتها. كما ينبغي أن ترافق الردعَ برامج تربوية تشرح أثر السلوك المتهور على السائق والركاب وبقية مستعملي الطريق.

الطرقات والمركبات بحاجة إلى متابعة

لا يمكن تحميل السائق وحده مسؤولية كل حادث، إذ تؤثر حالة البنية التحتية في مستوى الخطر. وتشمل المشكلات المحتملة الحفر، وغياب الإنارة، واهتراء العلامات الأرضية، وضعف الحواجز الجانبية، ونقص ممرات المشاة، فضلاً عن التقاطعات التي لا توفر رؤية كافية. وقد تبدو هذه العيوب بسيطة في الظروف العادية، لكنها تتحول إلى عوامل قاتلة ليلاً أو أثناء الأمطار.

وتتطلب معالجة النقاط السوداء مسحاً ميدانياً مستمراً، مع ترتيب الأولويات وفق عدد الحوادث وشدتها. ويمكن أن تشمل التدخلات تحسين الإشارات، وتركيب إنارة اقتصادية، وتعديل هندسة التقاطعات، وإقامة مطبات مدروسة قرب المدارس والأسواق، وفصل مسارات الدراجات والمشاة حيث تسمح طبيعة المنطقة.

أما المركبات، فتحتاج إلى فحوص فنية حقيقية تركز على المكابح والإطارات والإنارة وأحزمة الأمان. ويجب أن تراعي الرقابة انتشار السيارات القديمة والمركبات التجارية والحافلات، لأن أعطالاً صغيرة في مركبة كثيرة الاستعمال قد تتحول إلى خطر واسع على الركاب وبقية الطريق. ويمكن الاستفادة من تقنيات الإنارة الذكية والطاقة الشمسية في بعض المواقع النائية، مع الاطلاع على مقارنة الألواح الشمسية لفهم الفروق بين خيارات التجهيز قبل اعتمادها في مشاريع الإنارة.

الدراجات النارية والفئات الأكثر تعرضاً

يواجه سائقو الدراجات النارية خطر إصابات أكبر بسبب انكشاف أجسادهم وغياب الهيكل الواقي الذي توفره السيارات. ويزداد الوضع سوءاً عند عدم ارتداء خوذة مطابقة للمواصفات، أو نقل أكثر من العدد المسموح، أو استعمال دراجة غير مجهزة بإنارة واضحة. كما تجعل السرعة والمناورة بين السيارات وقوع الاصطدام أكثر احتمالاً.

وتشمل الفئات الهشة أيضاً المشاة وراكبي الدراجات الهوائية والأطفال وكبار السن. ويحتاج هؤلاء إلى أرصفة صالحة وممرات عبور واضحة وإشارات ضوئية تمنحهم وقتاً كافياً لعبور الطريق. وفي محيط المدارس، لا يكفي وضع لافتة تحذيرية، بل ينبغي تنظيم حركة السيارات في أوقات الدخول والخروج وتوفير حراسة مرورية عند الضرورة.

وتتطلب الوقاية من إصابات الدراجات النارية تعاوناً بين البلديات والشرطة وقطاع الصحة والمدارس والجمعيات. ويمكن تنظيم فحوص مجانية للخوذات، ودروس عملية في القيادة الآمنة، وحملات تستهدف سائقي خدمات التوصيل الذين يقضون ساعات طويلة في الشوارع. كما أن توفير مسارات آمنة يقلل الاحتكاك بين المركبات السريعة ومستعملي الدراجات.

الإسعاف السريع يخفف الخسائر

لا تنتهي المعركة عند منع الحادث، فالدقائق الأولى بعد التصادم قد تحدد فرص النجاة وتقلل الإعاقة. ويحتاج المصابون إلى إسعاف سريع ومدرب، وإلى نقل مناسب لا يؤدي إلى تفاقم الكسور أو النزيف. لذلك تبرز أهمية توزيع وحدات الحماية المدنية قرب الطرق ذات الكثافة العالية، وتحسين أنظمة تحديد المواقع والاتصال بين موقع الحادث والمستشفى.

ويستطيع المواطنون المساعدة عبر الاتصال الفوري بالجهات المختصة، وتحديد المكان بدقة، وعدم تحريك المصاب عشوائياً، وتأمين محيط الحادث من حركة المرور. كما يجب تجنب تصوير الضحايا أو نشر صورهم، لأن احترام الخصوصية جزء من المسؤولية الإنسانية، ولأن التجمهر قد يؤخر سيارات الإسعاف ويعرض أشخاصاً آخرين للخطر.

وتحتاج المستشفيات إلى خطط للتعامل مع الإصابات الجماعية، وتوفير فرق متخصصة في الجراحة والعظام وإعادة التأهيل. فالناجون من الحوادث قد يواجهون علاجاً نفسياً وجسدياً طويلاً، ولا ينبغي اختزال الرعاية في إنقاذ حياتهم خلال الساعات الأولى. وتساعد المتابعة الاجتماعية على إعادة المصابين إلى الدراسة أو العمل وتقليل العبء عن أسرهم.

ما الذي يمكن فعله للحد من الوفيات؟

تحتاج الاستجابة الوطنية إلى أهداف قابلة للقياس، مثل خفض الوفيات في النقاط السوداء، وتقليص زمن وصول الإسعاف، ورفع نسبة استعمال حزام الأمان والخوذة، وتحسين فحص المركبات. كما ينبغي أن تتولى جهة واضحة تنسيق جهود الوزارات والبلديات والأمن والحماية المدنية والصحة، مع نشر تقارير دورية تتيح للمجتمع تقييم النتائج.

ومن المفيد أن تعتمد التوعية على سلوكيات محددة وواقعية بدلاً من الشعارات العامة. ويمكن أن تركز الرسائل على ترك مسافة أمان، واحترام السرعة، وإيقاف الهاتف، والتأكد من سلامة الإطارات، ومنح الأولوية للمشاة. وتساهم المدارس ومعاهد تعليم السياقة ووسائل الإعلام في جعل السلامة المرورية ثقافة يومية، لا مادة تظهر بعد حادث كبير.

إجراءات عملية للحد من حوادث الطرق

مسؤولية مشتركة تبدأ من الطريق

تحتاج تونس إلى تحويل أرقام حوادث المرور من أخبار متكررة إلى أساس لقرارات ملزمة ومراقبة. وتبقى الدولة مسؤولة عن القانون والبنية التحتية والرقابة والخدمات الصحية، بينما تتحمل البلديات دوراً مباشراً في تنظيم الفضاء العام ومعالجة العيوب المحلية. أما المؤسسات التعليمية والإعلامية، فتستطيع ترسيخ سلوك يحترم حياة الآخرين.

ويشارك المواطن في هذه المسؤولية كلما التزم بالسرعة القانونية، وربط حزام الأمان، وارتدى الخوذة، ورفض ركوب مركبة غير آمنة، وأبلغ عن خطر واضح في الطريق. ويمكن متابعة المعطيات الوطنية والتقارير المتعلقة بالسلامة والشأن العام عبر منصة اليوم، بما يساعد على إبقاء الملف حاضراً في النقاش العام ومتابعة ما يُتخذ من إجراءات.

إن بلوغ 1200 وفاة خلال عام 2024 يستدعي تحركاً عاجلاً ومستداماً، لا انتظار حصيلة جديدة أكثر قسوة. ويبدأ التغيير من تطبيق القانون وتحسين الطريق وتطوير الإسعاف، لكنه يكتمل حين تصبح حماية الأرواح أولوية مشتركة في كل رحلة، وكل مؤسسة، وكل قرار مرتبط بالنقل.