مرحباً بكم في موقع اليوم al-yawm.com

بطالة خريجي الجامعات في تونس عند 30 بالمئة

يشير ارتفاع معدل البطالة بين خريجي الجامعات التونسية إلى 30 بالمئة إلى أزمة تتجاوز صعوبة العثور على وظيفة بعد التخرج. فالرقم يعكس اختلالاً متراكماً بين منظومة التعليم العالي وحاجات الاقتصاد، ويكشف أن الشهادة الجامعية لم تعد تضمن الانتقال السلس إلى سوق العمل، خصوصاً بالنسبة إلى أصحاب الاختصاصات التي لا توفر المؤسسات العمومية والخاصة طلباً كافياً عليها.

وتأتي هذه النسبة في ظرف اقتصادي واجتماعي حساس، تتداخل فيه محدودية الاستثمار، وضعف خلق الوظائف، وتراجع القدرة الشرائية، مع طموحات جيل واسع من الشباب. وتمنح متابعة الشأن التونسي صورة أوسع عن تأثير ملف التشغيل في النقاش العام، وعن ارتباطه بالاحتجاجات الاجتماعية والهجرة وتزايد فقدان الثقة في المستقبل المهني.

رقم يكشف أزمة أعمق من البطالة

لا ينبغي قراءة نسبة الثلاثين بالمئة باعتبارها مؤشراً إحصائياً معزولاً. فالبطالة بين حاملي الشهادات العليا تحمل كلفة مضاعفة؛ إذ تستثمر العائلات والدولة سنوات طويلة في التعليم، ثم يجد الخريج نفسه خارج النشاط الاقتصادي أو مضطراً إلى قبول أعمال لا تستفيد من مهاراته وتكوينه. وتظهر المشكلة بوضوح أكبر لدى الشباب الذين تجاوزوا سنوات الدراسة من دون اكتساب خبرة مهنية مطلوبة.

كما أن المعدل العام يخفي فروقاً بين الجهات والاختصاصات والفئات العمرية. فقد تكون فرص العمل متاحة بدرجة أكبر في المدن الساحلية أو في مجالات تقنية محددة، بينما يواجه خريجو المناطق الداخلية صعوبات إضافية مرتبطة ببعد المؤسسات الاقتصادية وضعف النقل والخدمات. وتظل حظوظ النساء في بعض القطاعات أقل، بسبب التمييز أو صعوبة التوفيق بين العمل والمسؤوليات الأسرية.

وتتسع الفجوة أيضاً بين البطالة المسجلة والبطالة المقنّعة. فبعض الخريجين لا يظهرون في كل الإحصاءات بعد توقفهم عن التسجيل أو انسحابهم من البحث النشط عن وظيفة، في حين يعمل آخرون بصورة مؤقتة أو غير رسمية وبأجور متدنية. لذلك فإن معالجة الظاهرة تتطلب النظر إلى جودة العمل واستقراره، لا إلى عدد الوظائف المعلنة فقط.

اختلال العلاقة بين الجامعة وسوق العمل

تتمثل إحدى جذور الأزمة في استمرار تخريج أعداد كبيرة من الطلبة في اختصاصات لا تتناسب بالقدر الكافي مع حاجات المؤسسات. ولا يعني ذلك أن العلوم الإنسانية أو الاجتماعية غير مهمة، بل إن الإشكال يكمن في ضعف المسارات التطبيقية التي تربط المعرفة النظرية بالتدريب والمهارات المهنية. ويجد كثير من الخريجين أنفسهم مطالبين بإتقان أدوات رقمية ولغات أجنبية وتقنيات تواصل لم توفرها لهم البرامج الجامعية بصورة عملية.

وتحتاج الجامعات إلى آليات منتظمة لرصد التحولات في سوق العمل وتحديث المناهج بالتعاون مع المؤسسات الاقتصادية. فالمهن الجديدة في البرمجيات، وتحليل البيانات، والطاقة المتجددة، والخدمات الصحية، والصناعات الإبداعية، تحتاج إلى تكوين متدرج يجمع بين المعرفة الأكاديمية والتطبيق. كما أن الشراكة مع الشركات يمكن أن تتيح فترات تدريب حقيقية، لا مجرد تربصات قصيرة تفتقر إلى التأطير والنتائج الواضحة.

وتبرز كذلك مشكلة ضعف التوجيه قبل اختيار المسار الجامعي. يدخل بعض الطلبة اختصاصات معينة بناء على المعدلات أو ضغط العائلة أو الاعتقاد بأنها تقود تلقائياً إلى وظيفة عمومية، ثم يصطدمون بعد سنوات بمحدودية المنافذ المهنية. ويستدعي ذلك تطوير خدمات الإرشاد داخل المدارس والجامعات، وتقديم معلومات دقيقة عن نسب الإدماج والمهارات المطلوبة وآفاق كل مجال.

اقتصاد محدود القدرة على خلق الوظائف

لا يمكن تحميل الجامعة وحدها مسؤولية البطالة بين أصحاب الشهادات. فالاقتصاد الذي يعاني ضعف الاستثمار وتراجع الإنتاجية لن يكون قادراً على استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل، مهما تحسنت المناهج. وتحتاج تونس إلى نمو يقوده الاستثمار الخاص، ويشجع المؤسسات الصغرى والمتوسطة، ويدعم القطاعات القادرة على التصدير وخلق قيمة مضافة محلية.

وتظل الإجراءات الإدارية المعقدة وصعوبة النفاذ إلى التمويل من العوائق التي تواجه أصحاب المشاريع. فكثير من الخريجين يملكون أفكاراً قابلة للتطوير، لكنهم يفتقرون إلى رأس المال والتكوين في الإدارة والتسويق، كما يخشون المخاطر القانونية والمالية المرتبطة بإطلاق مؤسسة. ولا يمكن مطالبة الشباب بالاعتماد على المبادرة الفردية من دون توفير بيئة تحمي المشروع في مراحله الأولى وتمنحه فرصاً عادلة للوصول إلى السوق.

ويحتاج القطاع العام بدوره إلى رؤية واضحة في الانتدابات والتخطيط للموارد البشرية. فالوظيفة العمومية لا تستطيع أن تكون الحل الرئيسي لكل دفعات الخريجين، لكن تجميد الانتداب من دون بدائل اقتصادية واجتماعية يزيد الإحباط. المطلوب هو توجيه الاستثمار العام نحو البنية التحتية والخدمات والقطاعات المنتجة، بما يخلق فرصاً مباشرة وغير مباشرة خارج الجهاز الإداري.

آثار اجتماعية ونفسية متراكمة

يمتد أثر البطالة الجامعية إلى الأسرة والمجتمع. فالشاب الذي يؤجل الاستقلال والسكن والزواج بسبب غياب الدخل قد يشعر بأن سنوات دراسته لم تحقق الغاية المنتظرة. وتتفاقم الضغوط عندما يقارن الخريج نفسه بأقرانه الذين تمكنوا من الهجرة أو الحصول على وظائف في الخارج، أو عندما يضطر إلى قبول عمل بعيد عن اختصاصه وبأجر لا يعكس مستوى تكوينه.

وقد يؤدي استمرار الانتظار إلى تراجع الثقة بالمؤسسات وبجدوى التعليم. ومن هنا تتزايد الرغبة في الهجرة النظامية وغير النظامية، أو الانضمام إلى احتجاجات محلية تطالب بالتشغيل والتنمية. ولا ترتبط هذه التحركات بالبطالة وحدها، بل بإحساس أوسع بعدم تكافؤ الفرص بين الجهات والفئات، وبأن شبكات العلاقات الشخصية قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من الكفاءة في الوصول إلى الوظيفة.

وتؤثر البطالة الطويلة أيضاً في المهارات نفسها. فكلما ابتعد الخريج عن مجال تخصصه، أصبح من الصعب عليه مواكبة التطورات المهنية وإقناع المشغلين بقدرته على الاندماج. لذلك تمثل برامج إعادة التأهيل والتدريب المستمر ضرورة، شرط أن تكون مرتبطة بطلب فعلي من المؤسسات وأن تقاس نتائجها بمؤشرات الإدماج، لا بعدد المشاركين فيها فقط.

سياسات مطلوبة لخفض البطالة

يتطلب التعامل مع الأزمة تنسيقاً بين وزارات التعليم العالي والتشغيل والاقتصاد، إلى جانب الجامعات والقطاع الخاص والمنظمات المهنية. وينبغي بناء قاعدة بيانات مشتركة تتابع مسار الخريجين بعد التخرج، وتحدد الاختصاصات التي تشهد فائضاً أو نقصاً، وتوفر معلومات دورية عن الوظائف والمهارات المطلوبة. ويساعد هذا المسار على اتخاذ قرارات مبنية على المعطيات بدلاً من الاستجابة الظرفية للضغوط.

ومن المهم مراجعة برامج التشغيل حتى لا تتحول إلى حلول مؤقتة تخفي البطالة من دون أن تفتح طريقاً إلى وظيفة مستقرة. فالدعم المالي للمؤسسة التي تنتدب خريجاً يمكن أن يكون مفيداً إذا ارتبط بالتكوين والتثبيت، وإذا شمل المؤسسات في الجهات الأقل نمواً. كما يجب حماية المتدربين من العمل المجاني طويل الأمد، ووضع معايير واضحة تضمن حصولهم على تجربة مهنية حقيقية.

وتحتاج ريادة الأعمال إلى مقاربة واقعية لا تكتفي بالشعارات. ويشمل ذلك تسهيل إنشاء الشركات، وتوفير حاضنات متخصصة، وربط المشاريع الناشئة بالجامعات ومراكز البحث، وتوجيه جزء من الطلب العمومي نحو المؤسسات الصغرى. كما يمكن دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في المناطق الداخلية، حيث تتيح المشاريع الجماعية فرصاً في الفلاحة التحويلية والسياحة البديلة والخدمات المحلية.

مسارات عملية أمام الخريجين والمؤسسات

لا تعفي صعوبة الظروف المؤسسات التعليمية والحكومية من مسؤولياتها، لكنها تجعل من الضروري توفير أدوات عملية للخريجين. فامتلاك شهادة جامعية ينبغي أن يكون نقطة انطلاق للتعلم المستمر، وتطوير المهارات الرقمية واللغوية، وبناء شبكات مهنية تساعد على الوصول إلى الفرص غير المعلنة. وفي المقابل، يجب ألا يتحول خطاب تطوير الذات إلى وسيلة لإلقاء كامل العبء على الشاب، لأن فرص العمل تتطلب اقتصاداً منتجاً وسياسات عادلة.

وتستطيع الجامعات تحسين قابلية التشغيل عبر وحدات متخصصة في التوجيه، وورشات لإعداد السيرة الذاتية والمقابلات، ومشاريع تطبيقية مع مؤسسات حقيقية. كما يمكن اعتماد شهادات قصيرة معترف بها في مجالات متغيرة، مثل الأمن السيبراني والتسويق الرقمي وإدارة المشاريع، مع ضمان جودة التكوين وعدم تحويل التعليم المستمر إلى سوق تجارية غير منظمة.

ولتحقيق أثر ملموس، يمكن اعتماد مجموعة من الأولويات العملية:

إن خفض بطالة خريجي الجامعات التونسية لا يتحقق بإجراء منفرد أو بانتظار انتعاش تلقائي. فهو يحتاج إلى إصلاح متدرج يبدأ من التوجيه المدرسي، ويمر عبر تحديث التعليم العالي، وينتهي بسياسة اقتصادية تخلق وظائف ذات قيمة. وكل تأخير في هذا المسار يرفع كلفة الأزمة على الشباب والعائلات والدولة، بينما يمكن للقرار المبني على البيانات والشراكة بين الأطراف أن يحول جزءاً من الطاقات المعطلة إلى قوة إنتاج وابتكار.

تستحق هذه القضية متابعة مستمرة تكشف الفوارق بين الجهات والاختصاصات، وتراقب نتائج برامج التشغيل، وتنقل تجارب الخريجين إلى صانعي القرار. ويساهم نشر المعلومات الدقيقة والنقاش المسؤول في الضغط من أجل حلول قابلة للقياس، فمستقبل الشباب التونسي يبدأ بتحويل الشهادة من محطة انتظار إلى فرصة اندماج فعلي في اقتصاد منتج وعادل.