اتحاد الفلاحين التونسيين يطالب بتأجيل سداد القروض بسبب الجفاف
في ظل تواصل موجة الجفاف التي تجتاح تونس منذ أكثر من ثلاثة مواسم متتالية، صعّد الاتحاد التونسي للفلاحة من لهجته تجاه السلطات المركزية، مطالبا بضرورة التدخل العاجل لإعادة جدولة مديونية الفلاحين تجاه البنوك العمومية والخاصة. وتأتي هذه الخطوة في وقت تتقلص فيه المساحات المزروعة بشكل ملحوظ، خاصة في المناطق الوسطى والغربية من البلاد، حيث يعتمد أغلب السكان على النشاط الزراعي كمصدر رئيسي للرزق.
تشير التقديرات الميدانية إلى أن نسبة هامة من المنابت لم تنم بالشكل المطلوب بسبب شح الأمطار وانخفاض منسوب المياه في السدود، وهو ما انعكس سلبا على مردود الزراعات الكبرى، من حبوب وزيتون، وعلى إنتاجية الأشجار المثمرة والخضروات الموسمية. ويعتبر الفلاحون أن تكلفة الإنتاج ارتفعت بشكل كبير مع اضطرارهم إلى الاعتماد على الآبار العميقة وصهاريج نقل المياه، في حين تراجعت العائدات إلى مستويات لا تغطي حتى نفقات البذور والأسمدة والمحروقات.
تصاعد القلق خلال الأسابيع الأخيرة بعد أن بدأت عديد المؤسسات البنكية في توجيه إنذارات للمتعثرين في السداد، مما ينذر بخسارة أعداد كبيرة منهم لأراضيهم وممتلكاتهم نتيجة إجراءات الحجز. ويؤكد ممثلو الاتحاد أن هذا المنعطف يستوجب تدخلا حكوميا سريعا، لأن الوضع يهدد بتدهور المنظومة الزراعية الوطنية برمتها ويقوّض الأمن الغذائي لتونس على المدى المتوسط.
أزمة مناخية غير مسبوقة تضرب الموسم الفلاحي
لم تعرف تونس في العقود الأخيرة موسما فلاحيا بهذه الحدة من حيث قلة الأمطار وتدني المردودية، إذ تشير بيانات المعهد الوطني للرصد الجوي إلى أن معدل التساقطات خلال الموسم الحالي لم يتجاوز في أغلب الولايات نصف المعدل السنوي المعتاد. وقد تضررت الزراعات البعلية بشكل مباشر، خاصة في ولايات القصرين وقفصة وسيدي بوزيد والكاف، حيث يعتمد أغلب المنتجين على مياه السماء في غياب شبكات ري حديثة.
وأفاد مختصون في الموارد المائية بأن نسبة امتلاء السدود تراجعت بصورة ملفتة، وأن بعض السدود الصغيرة أصبحت شبه جافة قبل حلول فصل الصيف. وتسبب هذا الوضع في ضغط كبير على المنظومة الهيدرولوجية بأكملها، مما يضطر الفلاحين إلى حفر آبار جديدة أو نقل المياه عبر صهاريج بتكاليف ترهق ميزانياتهم المحدودة.
ولا تقتصر تبعات الجفاف على الزراعات الكبرى فحسب، بل تشمل أيضا سلاسل الإنتاج الحيواني، إذ تراجعت كميات الأعلاف الخضراء وارتفعت أسعار الأعلاف الجافة في السوق المحلية. وقد اضطر عدد من المربين إلى بيع جزء من قطيعهم أو تقليص حجمه، وهو ما ينذر باضطرابات محتملة في سوق اللحوم الحمراء والحليب خلال الأشهر القادمة.
مطالب الفلاحين لإعادة جدولة الديون
يرى الاتحاد التونسي للفلاحة أن الحل الأنسب يمر عبر عدة مسارات متكاملة، أبرزها إعادة هيكلة القروض البنكية ومنح الفلاحين تمويلات جديدة بشروط ميسرة. ويؤكد المكتب التنفيذي أن المطالب ليست ترفا بل ضرورة وطنية لحماية المنظومة الغذائية والحفاظ على آلاف مواطن الشغل في الوسط الريفي، وتتلخص أبرز المطالب المعلنة في النقاط التالية:
- تعليق استخلاص أقساط القروض لمدة لا تقل عن سنة كاملة
- إعفاءات جزئية أو كلية من الفوائد البنكية الناجمة عن التأخير
- تفعيل صندوق الجوائح الفلاحية الموجود في التشريع منذ سنوات
- تخصيص قروض استثمارية لتطوير تقنيات الري المقتصدة للمياه
ومن بين الملفات التي أثارها الاتحاد ضرورة مرافقة صغار الفلاحين في إجراءات إعادة الجدولة وتسهيل الولوج إلى المعلومات الإدارية، خصوصا بالنسبة للمعنيين الذين لا يملكون ثقافة مالية كافية. كما يطالب الاتحاد بفتح حوار جدي حول آليات التأمين الفلاحي لإدماج الأخطار المناخية الجديدة ضمن التغطيات المتاحة.
تأثيرات مباشرة على صغار الفلاحين والمناطق الداخلية
يتضرر من موجة الجفاف الراهنة بالدرجة الأولى صغار الفلاحين الذين لا يملكون موارد مالية كافية لتجاوز الأزمات الطويلة. ويؤكد عدد من المنتجين في ولاية الكاف وباجة أنهم اضطروا إلى تقليص مساحات البذر بنسبة تتجاوز أربعين في المئة مقارنة بالموسم الماضي، نتيجة عدم قدرتهم على تحمل تكاليف البذور والمحروقات اللازمة لحرث الأرض.
وقد بدأت تظهر في بعض المناطق الداخلية ظواهر اجتماعية مقلقة، من بينها هجرة بعض العائلات إلى المدن الساحلية بحثا عن فرص عمل بديلة، فضلا عن تنامي حالات التخلي عن النشاط الفلاحي من طرف شباب قرروا تغيير مسارهم المهني كليا. وتعتبر هذه التحولات ضريبة ثقيلة على مجتمع ريفي كان يراهن على الزراعة لتثبيت سكانه في أراضيهم ودرء الهجرة القروية المتصاعدة.
وللاطلاع على قراءات معمقة حول ديناميكيات المشهد الأمني والاقتصادي في المنطقة، يمكن الرجوع إلى alardn-y-ln-ahbat-mkhtt-arhaby-ysthdf-mrakz-amnyt-fy-al-asmt-man-insights.
موقف الحكومة والمؤسسات المالية
من جانبها، أعلنت وزارة الفلاحة والصيد البحري أنها بصدد إعداد برنامج استعجالي شامل بالتعاون مع عدد من الوزارات المعنية، يهدف إلى التخفيف من حدة الأزمة ودعم الفلاحين المتضررين. وأوضحت مصادر رسمية أن الدراسة الفنية للمشروع ستنتهي قريبا، على أن يتم عرضه على أنظار مجلس وزاري للمصادقة عليه في الأيام القادمة.
أما على مستوى البنوك العمومية، فقد أبدت بعض المؤسسات استعدادها لمنح آجال إضافية للمتعاملين، غير أنها شددت على ضرورة احترام التوازنات المالية للمؤسسة. وتواجه البنوك تحديا متوازنا بين واجب مرافقة الاقتصاد الوطني ومتطلبات الحوكمة الصارمة التي تفرضها الهيئات الرقابية الدولية.
في المقابل، يطالب الاتحاد بإشراك فعلي للفلاحين في صياغة الحلول، محذرا من الاكتفاء بالمقاربة الترقيعية التي لا تعالج جذر الأزمة المناخية. ويعتبر أن المرحلة تستوجب مقاربة استشرافية تعتمد على تشخيص علمي دقيق وعلى إدماج التكنولوجيا الحديثة في إدارة الموارد المائية والتخطيط الزراعي.
سيناريوهات مرتقبة ومقاربات عملية للتعافي
تشدد الأبحاث الأكاديمية على أن تونس مقبلة على سنوات أكثر صعوبة من الناحية المناخية، خصوصا في ظل التوقعات التي تشير إلى تواصل نقص الأمطار وتكرار موجات الحرارة الشديدة. ويؤكد خبراء البيئة أن الحلول الترقيعية لم تعد كافية، وأن الأمر يستدعي استراتيجية وطنية شاملة للتكيف مع التغيرات المناخية في القطاع الفلاحي، ومن بين التوجهات العملية المطروحة للنقاش:
- توسيع رقعة الزراعات المقاومة للجفاف كالشعير العلفي والقطن قصير الدورة النباتية
- تطوير محطات لتحلية المياه الموجهة للري الزراعي في المناطق الساحلية
- إحداث صندوق تضامني جهوي يُموّل من عائدات صادرات المنتجات الفلاحية
- اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي في توقع التساقطات وإدارة الموارد المائية
على المستوى المؤسساتي، يدعو الاتحاد إلى إعادة النظر في منظومة التأمين الفلاحي، بحيث تصبح أكثر استجابة للأزمات المناخية المتكررة وأقل كلفة على الفلاحين الصغار. كما يقترح ربط آليات الإقراض الزراعي بمعايير الاستدامة البيئية، لتشجيع المنتجين على تبني ممارسات ترشيد استعمال المياه والطاقات المتجددة.
نحو حوار وطني حول مستقبل الفلاحة التونسية
باتت الأزمة الراهنة تفرض على مختلف الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين الجلوس حول طاولة حوار واحد للنظر في سبل إنقاذ القطاع الفلاحي. ويعتبر كثير من المراقبين أن ما يحدث اليوم ليس سوى نذير لتحديات كبرى ستتضاعف في السنوات القادمة إذا لم يتم التحرك بسرعة وحزم على مختلف الأصعدة التشريعية والمالية والتقنية.
يشدد الاتحاد التونسي للفلاحة على أن صوت الفلاحين يجب أن يكون حاضرا في كل القرارات المتعلقة بالمياه والأراضي والتمويل، لا أن يبقى مستثنى أو مكملا. وتدعو المنظمة إلى فتح نقاش وطني واسع يشارك فيه الفلاحون والباحثون والمجتمع المدني لرسم خارطة طريق واقعية وقابلة للتطبيق على أرض الواقع.
في سياق متصل بالمواكبة الإعلامية لهذه الأزمة، تتنوع المنصات الرقمية التي تتابع الملف الفلاحي وعموم القضايا الاجتماعية، وهو ما يعكس ديناميكية المشهد الإعلامي العربي وتنوع أنماط استهلاكه. ويمكن للقراء متابعة بعض المسارات الإضافية عبر منصات الإعلام الرقمي للاطلاع على مقاربات متنوعة.
يبقى الرهان الأبرز خلال الفترة القادمة هو قدرة تونس على صياغة رؤية متكاملة تعالج الجفاف باعتباره واقعا بنيويا وليس حدثا عابرا، وهو ما يتوقف على إرادة سياسية حقيقية وانخراط فعلي لكل الأطراف المعنية. ومن شأن هذه المقاربة أن تضمن استدامة القطاع الفلاحي وتحفظ الأمن الغذائي للأجيال القادمة، كما تساهم في تثبيت السكان في مناطقهم الأصلية. ندعو القرّاء إلى متابعة تغطيات "اليوم" باستمرار للوقوف على آخر مستجدات هذا الملف الحيوي، والمشاركة في النقاش العام عبر التعليقات ومشاركة المقالات على المنصات الاجتماعية.