مصر تكتشف حقل غاز جديد في البحر المتوسط باحتياطيات ضخمة
أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية عن اكتشاف حقل غاز طبيعي جديد في المياه الإقليمية بالبحر المتوسط، وُصف بأنه من أكبر الاكتشافات خلال السنوات الأخيرة من حيث الاحتياطيات القابلة للاستخراج. يقع حقل "نور-1" على بُعد نحو 65 كيلومتراً قبالة سواحل الإسكندرية، وتُقدَّر احتياطياته الأولية بأكثر من 4 تريليونات قدم مكعبة.
كشف مصدر مسؤول في الوزارة أن عمليات الحفر الاستكشافي استمرت قرابة أربعة أشهر قبل الوصول إلى الطبقة الحاملة للغاز، وأن نسبة النجاح الجيولوجي تجاوزت التوقعات الأولية. تزامن الإعلان مع ارتفاع سعر سهم الشركة المصرية العامة للبترول بنحو 6 في المئة خلال الدقائق الأولى من التداول في البورصة المصرية.
سجّلت أسعار العقود الآجلة للغاز الطبيعي في السوق الأوروبية ارتفاعاً طفيفاً، في إشارة إلى الأثر الذي يمتدّ خارج الحدود المحلية. ورحّب عدد من المسؤولين الإقليميين بالاكتشاف، معتبرين أنه يعزز موقع مصر كمحور للطاقة في المنطقة.
يأتي الكشف في توقيت تسعى فيه القاهرة إلى تعزيز مواردها من الطاقة النظيفة وتقليص فاتورة الاستيراد، لا سيما بعد الزيادة الكبيرة في الطلب المحلي خلال صيف 2025. كما يفتح الحقل الجديد الباب أمام تصدير الغاز المسال إلى الأسواق الأوروبية التي تعاني من نقص المعروض منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية.
تفاصيل الإعلان ومواصفات الحقل
أكد وزير البترول والثروة المعدنية أن الاكتشاف يقع ضمن منطقة امتياز "نور" البحرية، وأن البيانات الجيولوجية تشير إلى امتداد الطبقات الحاملة للغاز في رقعة واسعة قد تتجاوز المساحة المكتشفة. وتُقدَّر الاحتياطيات المؤكدة بحوالي 4.2 تريليون قدم مكعبة، مع إمكانية إضافة احتياطيات إضافية خلال مراحل التقييم اللاحقة.
أوضحت الشركة المنفذة أن عمق المياه يبلغ نحو 2400 متر، بينما يصل عمق الحفر إلى أكثر من 5500 متر تحت سطح البحر. واستلزمت العملية استخدام تقنية الحفر الموجّه لتجاوز الطبقات الصخرية المعقدة، وهي تقنية تُستخدم لأول مرة في المياه المصرية بهذه الأعماق. ويُتوقع أن يبدأ الإنتاج التجاري من البئر الأولى خلال عام 2027.
يتضمن المشروع خططاً لحفر ما بين ثمانية وعشرة آبار إضافية، تمهيداً للوصول إلى طاقة إنتاجية يومية تتجاوز 1.5 مليار قدم مكعبة. وسيتم إنشاء خط أنابيب بحري بطول 90 كيلومتراً لربط الحقل بمحطة معالجة الغاز في إدكو، تمهيداً للتصدير أو لتغذية محطات الكهرباء المحلية.
مقارنة بين أبرز اكتشافات الغاز في شرق المتوسط
تُسهم المقارنة بين الاكتشافات الإقليمية في رسم صورة أوضح عن مكانة الحقل الجديد ضمن الخريطة الطاقية في شرق المتوسط. وتكشف البيانات المتاحة عن تفاوت ملحوظ بين الحقول من حيث الحجم ومرحلة التطوير والقدرة الإنتاجية.
| الحقل | الدولة | سنة الاكتشاف | الاحتياطيات (تريليون قدم مكعب) | مرحلة التطوير |
|---|---|---|---|---|
| ظهر | مصر | 2015 | 30.0 | إنتاج كامل |
| نور-1 | مصر | 2025 | 4.2 | تقييم وتطوير |
| كاليبسو | قبرص | 2018 | 4.5 | مرحلة مبكرة |
| غلاس | مصر | 2019 | 3.5 | إنتاج جزئي |
| أفروديت | قبرص | 2011 | 4.0 | إنتاج محدود |
يتّضح من الجدول أن حقل "ظهر" لا يزال يحتفظ بصدارته الإقليمية من حيث الحجم، لكن "نور-1" يدخل المنافسة بوصفه اكتشافاً حديثاً يُضاف إلى محفظة الحقول المصرية. وتشير التقديرات إلى أن عمليات التطوير قد تُضيف احتياطيات إضافية تُعزز موقع القاهرة في السوق المتوسطية خلال السنوات القادمة.
الأهمية الجيوسياسية للحقل الجديد
يمنح الكشف الجديد القاهرة قدرة تفاوضية أكبر مع دول شرق المتوسط، لا سيما في ظل التنافس القائم حول ترسيم الحدود البحرية وحقوق الاستغلال. ويُعدّ الحقل متاخماً للحدود الاقتصادية مع قبرص، مما يستدعي تنسيقاً مشتركاً لتفادي أي توترات مستقبلية. وقد دعت القاهرة بالفعل إلى عقد جلسات تشاور فني مع نيقوسيا لضمان إدارة الموارد بما يخدم مصالح الطرفين.
يُسهم الاكتشاف في تعزيز الحضور المصري في منتدى غاز شرق المتوسط الذي يضمّ سبع دول أعضاء. وتسعى القاهرة إلى ترسيخ دورها كمحور رئيسي لتجارة الغاز في المنطقة، سواء عبر محطات الإسالة في إدكو ودمياط، أو عبر خطوط الأنابيب التي تربط الحقول بشبكة التوزيع والتصدير.
تمتدّ الأهمية إلى ما هو أبعد من الطاقة، إذ يوفّر الاكتشاف رافعة جديدة للمفاوضات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد توقيع مصر لاتفاقيات طويلة الأمد لتصدير الغاز المسال. ويفتح المجال أمام القاهرة للعب دور أكثر فاعلية في ملف أمن الطاقة الأوروبي خلال فترات الذروة الشتوية التي تشهد ارتفاعاً حاداً في الطلب.
فرص الاستثمار وآفاق التمويل
يفتح الكشف الجديد آفاقاً واسعة أمام المستثمرين المحليين والأجانب، إذ تُخطط الوزارة لطرح نسبة من أسهم المشروع للاكتتاب العام خلال الأشهر المقبلة. ويرى اقتصاديون أن الاكتشاف سيعزز ثقة المستثمرين بالسندات السيادية المصرية، وتشمل خطط التمويل إصدار سندات خضراء مخصصة لقطاع الطاقة تستهدف صناديق استثمارية أوروبية.
من المتوقع أن ترتفع وتيرة الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات المرتبطة بالغاز، حيث أبدت مؤسسات مالية من بريطانيا وفرنسا والصين اهتمامها بالمشاركة. وتُعدّ منطقة قناة السويس الاقتصادية مركزاً جاذباً لإقامة صناعات تحويلية تعتمد على الغاز كمادة خام، بدلاً من تصدير المادة الخام فقط.
القطاعات الأكثر استفادة من الاكتشاف:
- شركات الخدمات البترولية المتخصصة في الحفر البحري العميق
- مقاولو البنية التحتية وخطوط الأنابيب تحت سطح البحر
- شركات الهندسة المتخصصة في محطات المعالجة والتسييل
- الصناعات البتروكيماوية وصناعة الأسمدة المحلية
التحديات البيئية واللوجستية
لا يخلو المشروع من تحديات بيئية جدية، إذ تستلزم عمليات الحفر في الأعماق السحيقة الالتزام بمعايير دولية صارمة. وقد دعت منظمات غير حكومية إلى إعداد دراسة تقييم أثر بيئي شاملة قبل الشروع في أي عمليات تطوير فعلية، خوفاً من تأثير محتمل على التنوع البيولوجي في البحر المتوسط، لا سيما على بعض أنواع الأسماك والكائنات البحرية التي تتأثر بالاهتزازات الناتجة عن الحفر.
على صعيد لوجستي، يواجه المشروع تحديات تتعلق بندرة المعدات المتخصصة في الحفر العميق، إذ تعتمد مصر على استئجار منصات أجنبية بأسعار مرتفعة. وتسعى الوزارة إلى إبرام شراكات مع شركات بناء السفن في كوريا الجنوبية وسنغافورة لتصنيع منصات محلية، لكن هذه الخطط تحتاج إلى سنوات قبل أن تؤتي ثمارها.
أبرز العقبات التي يتعيّن تجاوزها:
- استكمال الدراسات البيئية والحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة
- توفير التمويل الكافي لمراحل التطوير المتعاقبة
- استقطاب الكفاءات الفنية وتدريبها على التقنيات الحديثة
- ضمان أمن وسلامة المنشآت البحرية في مواجهة المخاطر الطبيعية
مستقبل قطاع الغاز المصري في العقد المقبل
يضع الكشف الجديد القاهرة على أعتاب مرحلة جديدة من الازدهار في قطاع الغاز، إذ تشير التقديرات إلى أن الإنتاج المحلي سيتجاوز 7 مليارات قدم مكعبة يومياً بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 5.5 مليار قدم مكعبة حالياً. وتُخطط الوزارة لاستثمار العائدات في تحديث محطات الكهرباء وتحويل بعضها للعمل بالغاز الطبيعي بدلاً من الوقود الثقيل، وهو ما يُسهم في خفض الانبعاثات وتحسين جودة الهواء في المدن الكبرى.
تتجه الاستراتيجية الوطنية إلى توسيع شبكة محطات الإسالة، حيث من المقرر إنشاء محطة جديدة في بورسعيد بطاقة 10 ملايين طن سنوياً. ويُتوقع أن تتجاوز الصادرات المصرية 18 مليار متر مكعب سنوياً بنهاية العقد، وهو رقم قياسي في تاريخ البلاد.
يفتح الاكتشاف كذلك المجال أمام مشاريع صناعية جديدة مثل الصناعات البتروكيماوية وصناعة الأسمدة. وقد أبدت شركات تركية وإيطالية اهتمامها بإنشاء مصانع في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس للاستفادة من المواد الخام. ويُتوقع أن تخلق هذه المشاريع آلاف فرص العمل الجديدة للمهندسين والفنيين المصريين.
تابعوا موقع "اليوم" لمزيد من التغطيات والتحليلات حول مستقبل الطاقة في المنطقة العربية، وللاطلاع على خيارات ترفيهية متنوعة تتناسب مع فترات الانتعاش الاقتصادي يمكنكم زيارة صفحة بطاقات الخدش الرقمية المتخصصة في هذا المجال.