سوريا تعود إلى جامعة الدول العربية ومسارات المرحلة الجديدة
بعد أكثر من عقد على تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، اتخذ وزراء الخارجية العرب في مايو/أيار 2023 قراراً بإعادة دمشق إلى المنظمة الإقليمية. أنهى القرار قطيعة دبلوماسية بدأت في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، حين جُمّدت مشاركة الحكومة السورية على خلفية تصاعد الاحتجاجات ثم تحول البلاد إلى ساحة حرب مفتوحة، خلّفت خسائر بشرية ومادية هائلة وموجات نزوح واسعة.
لم تكن العودة نتيجة تسوية شاملة أو اتفاق نهائي حول مستقبل سوريا، بل جاءت ضمن مسار تدريجي لإعادة التواصل مع الحكومة السورية وفتح قنوات سياسية وأمنية وإنسانية. وبينما رأت بعض الدول العربية في الخطوة محاولة للتعامل مع واقع قائم، حذرت أطراف أخرى من أن التطبيع يجب أن يرتبط بخطوات ملموسة في ملف المعتقلين واللاجئين ومكافحة تهريب المخدرات ودفع العملية السياسية.
كيف بدأت القطيعة وما الذي تغير
جاء تعليق العضوية العربية في سياق إدانة عربية ودولية لاستخدام العنف ضد المتظاهرين، ثم فشلت المبادرات الأولى في وقف القتال أو التوصل إلى انتقال سياسي مقبول. ومع دخول قوى إقليمية ودولية على خط النزاع، تراجع تأثير الجامعة العربية في الملف السوري، بينما تحولت العواصم العربية إلى مواقف متباينة بين دعم المعارضة، أو مساندة الحكومة، أو الاكتفاء بالمساعدات الإنسانية والاتصالات المحدودة.
خلال السنوات اللاحقة، تبدلت موازين القوى على الأرض لمصلحة الحكومة السورية في مناطق واسعة، مع استمرار وجود مناطق خارجة عن سيطرتها واحتفاظ قوى محلية ودولية بنفوذ مؤثر. كما أدت أزمات الطاقة والغذاء والانهيار الاقتصادي إلى دفع دول عربية نحو إعادة تقييم سياسة العزلة، انطلاقاً من اعتقاد بأن القطيعة لم تحقق أهدافها، وأن الحوار المباشر قد يكون أكثر فاعلية في إدارة الملفات العاجلة.
كان الزلزال المدمر الذي ضرب سوريا وتركيا في فبراير/شباط 2023 عاملاً إضافياً في تسريع الاتصالات. فقد أعاد الكارثة فتح قنوات المساعدة والزيارات الرسمية، وبرزت الحاجة إلى تنسيق إقليمي في الإغاثة وإعادة الإعمار. ومع ذلك، بقيت العقوبات الغربية عائقاً أمام تدفق الاستثمارات والتحويلات، فيما زادت الأزمة الاقتصادية السورية تعقيداً بفعل التضخم وتراجع العملة ونقص الوقود.
قرار العودة ومسؤوليات دمشق
أقرت الجامعة العربية عودة سوريا إلى المشاركة في اجتماعاتها، مع التأكيد على أن الحل السياسي يظل الإطار الأساسي لإنهاء الأزمة. وترافق القرار مع صياغة مسار تدريجي يقوم على التواصل مع دمشق ومتابعة ملفات محددة، بينها الوضع الأمني، وعودة اللاجئين، وتهريب المخدرات، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، إضافة إلى دعم جهود المبعوث الأممي.
لم يكن القرار بمثابة إعفاء للحكومة السورية من الالتزامات، بل محاولة لإيجاد آلية حوار منتظم معها. فالدول العربية أرادت أن تربط الانفتاح بخطوات عملية، وأن تحصل على إجابات حول قضايا تتجاوز الحدود السورية، مثل شبكات تهريب الكبتاغون التي أثرت في أمن عدد من دول المنطقة، فضلاً عن مصير مئات آلاف المعتقلين والمفقودين.
وتباينت قراءة العواصم العربية للقرار. فقد اعتبرته دول خطوة واقعية تسمح باستعادة الدور العربي في الأزمة، بينما رأت دول أخرى أن التطبيع السريع قد يمنح دمشق مكاسب سياسية من دون تقديم تنازلات كافية. أما الولايات المتحدة ودول غربية، فحافظت على عقوباتها وأكدت أن أي تخفيف واسع للعزلة يجب أن يرتبط بتقدم سياسي واضح وفق القرار 2254.
انعكاسات إقليمية واقتصادية متشابكة
تؤثر عودة سوريا إلى المحيط العربي في ملفات الأمن والحدود والتجارة والطاقة. فالأردن ولبنان والعراق ودول الخليج تتعامل مع تداعيات مباشرة للأزمة، تشمل حركة اللاجئين والتهريب وتعطل طرق النقل وانخفاض التبادل التجاري. ومن شأن استعادة الاتصالات الرسمية أن تتيح نقاشاً أكثر انتظاماً حول المعابر البرية، وشبكات الكهرباء، وتسهيل حركة السلع والأفراد.
لكن الانتعاش الاقتصادي لا يتحقق بمجرد استئناف العلاقات الدبلوماسية. فالبنية التحتية السورية تحتاج إلى تمويل ضخم، والقطاع المصرفي يواجه قيوداً واسعة، كما أن العقوبات تعقد التحويلات والاستثمارات. وفي الأسواق العربية، يمكن أن تنعكس أسعار الفائدة العالمية على كلفة الاقتراض وتمويل مشاريع إعادة الإعمار، كما يوضح هذا التحليل الاقتصادي بشأن أثر تشديد السياسة النقدية الأميركية في الأسر والقطاعات الاقتصادية.
كما أن أي انفتاح تجاري يحتاج إلى ضمانات قانونية وأمنية، وإلى وضوح في آليات دفع الأموال ونقل البضائع. لذلك تبدو المرحلة الأولى أقرب إلى تعاون محدود في النقل والطاقة والمساعدات، بدلاً من إطلاق مشاريع ضخمة وشاملة. وقد تظل دول عربية مستعدة للتواصل السياسي، لكنها حذرة من تحمل كلفة اقتصادية أو قانونية لا تحظى بغطاء دولي.
الملفات الإنسانية والسياسية في صلب المسار
يمثل اللاجئون السوريون أحد أكثر الملفات حساسية. فالدول المضيفة، خصوصاً لبنان والأردن وتركيا، تواجه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متزايدة، بينما يخشى كثير من اللاجئين العودة في ظل غياب ضمانات تتعلق بالأمن والسكن والعمل والخدمات. ولذلك فإن الدعوات إلى العودة الطوعية والآمنة لا يمكن أن تتحول إلى برنامج فعلي من دون معالجة الاعتقالات والملاحقات والدمار الواسع.
تبقى العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة معياراً رئيسياً لقياس جدية المسار الجديد. فإعادة سوريا إلى الجامعة لا تلغي الخلافات حول شكل الحكم، وإصلاح المؤسسات، وصياغة دستور جديد، وإجراء انتخابات ذات مصداقية. كما أن وجود قوى أجنبية ومناطق نفوذ متعددة يجعل أي تسوية داخلية مرتبطة بتفاهمات إقليمية ودولية أوسع.
وتحتاج المساعدات الإنسانية إلى قنوات مستقرة لا تتأثر بالتجاذبات السياسية. ويعيش ملايين السوريين على الدعم الغذائي والطبي، في وقت تراجعت فيه قدرة المنظمات على الاستجابة بسبب نقص التمويل. لذلك يمكن للجامعة العربية أن تؤدي دوراً في تنسيق المواقف، والدفع نحو توسيع الممرات الإنسانية، وتشجيع مشاريع التعافي المبكر من دون تحويلها إلى بديل عن الحل السياسي.
ما الذي يمكن أن تحمله المرحلة الجديدة
تتوقف نتائج الانفتاح العربي على قدرة الأطراف على تحويل الاتصالات إلى التزامات قابلة للقياس. فالمطلوب ليس فقط عقد اجتماعات وصدور بيانات، بل تحقيق تقدم في ملفات أمنية وإنسانية واقتصادية، مع الحفاظ على قنوات الحوار مع القوى السورية المختلفة وعدم اختزال البلاد في علاقتها بالحكومة المركزية وحدها.
مؤشرات يمكن مراقبتها خلال المرحلة المقبلة:
- انخفاض عمليات تهريب المخدرات عبر الحدود وظهور آليات تعاون معلنة.
- إطلاق خطوات موثوقة بشأن المعتقلين والمفقودين وحقوق المدنيين.
- تحسن وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة من دون عوائق سياسية.
- استئناف محدود ومنظم للتجارة والنقل والطاقة بين سوريا وجوارها.
وفي المقابل، قد تواجه هذه المسارات عقبات كبيرة، من بينها استمرار العقوبات، وتضارب مصالح القوى الدولية، وغياب الثقة بين دمشق وعدد من العواصم العربية. كما أن الوضع المعيشي المتدهور قد يجعل أي وعود اقتصادية بطيئة الأثر بالنسبة إلى السكان، في حين تستمر البطالة ونقص الخدمات وتراجع القدرة الشرائية في الضغط على المجتمع.
عوامل قد تحدد نجاح العودة العربية:
- التزام الحكومة السورية بخطوات واضحة في المسار السياسي.
- توافق عربي على آلية متابعة دورية وشفافة للاتفاقات.
- توفير تمويل إنساني يحمي المدنيين من تدهور إضافي.
- تفاهمات دولية تقلل مخاطر الاستثمار وإعادة الإعمار.
تمنح عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية دمشق فرصة لاستعادة جزء من حضورها الإقليمي، لكنها تضعها أيضاً أمام اختبار سياسي وأمني وإنساني. أما الجامعة، فتستعيد ملفاً ظل لسنوات خارج قدرتها على التأثير، وعليها أن تثبت أن الحوار العربي يمكن أن ينتج نتائج ملموسة لا مجرد إعادة ترتيب للعلاقات الرسمية. وتبقى متابعة هذه التطورات عبر منصة اليوم ضرورية لفهم انعكاساتها على سوريا والمنطقة، بالتوازي مع رصد أثرها في قضايا العمل والاقتصاد والحياة اليومية، ومنها التحركات النقابية التي تتناولها تغطية إضرابات القطاع العام.