مرحباً بكم في موقع اليوم al-yawm.com

إلغاء الدروس الخصوصية في المدارس العمومية ابتداء من الموسم القادم

أعلنت وزارة التربية التونسية توجهها إلى إلغاء الدروس الخصوصية داخل المدارس العمومية ابتداءً من الموسم الدراسي القادم، في خطوة تهدف إلى إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسة التربوية والمدرسين والتلاميذ، والحد من الممارسات التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى مصدر جدل واسع داخل المجتمع.

ويأتي القرار في ظل تصاعد النقاش حول تكافؤ الفرص بين التلاميذ، إذ تعتمد فئات واسعة على حصص الدعم المدفوعة لتحسين النتائج أو الاستعداد للامتحانات الوطنية، بينما تعجز عائلات أخرى عن تحمل كلفتها. وتعتبر الوزارة أن المدرسة العمومية يجب أن توفر الحد الأدنى من الإحاطة التعليمية لجميع التلاميذ دون ربط النجاح بالقدرة على الإنفاق.

ولم يتضح بعد ما إذا كان الإلغاء سيشمل كل أشكال الدعم المدرسي أو الدروس التي يقدمها المدرسون لفائدة تلاميذ مؤسساتهم خارج الساعات الرسمية، كما ينتظر أن تكشف النصوص التطبيقية عن العقوبات وآليات الرقابة والاستثناءات الممكنة. لذلك يتجاوز القرار صيغة الإعلان الإداري ليطرح أسئلة عملية تتعلق بجودة التعليم وظروف المدرسين واحتياجات التلاميذ.

خلفيات القرار وأهداف وزارة التربية

تربط وزارة التربية قرارها بالحاجة إلى حماية مجانية التعليم داخل المدارس العمومية، ومنع تحول الدروس الخصوصية إلى مسار موازٍ يؤثر في تقييم التلميذ وعلاقته بمدرسه. فحين يصبح حضور الحصة الإضافية شرطاً غير معلن لتحسين المعدل أو فهم أجزاء من البرنامج، تتراجع مكانة الدرس الرسمي وتزداد الفوارق بين الأسر.

كما تسعى الوزارة، وفق هذا التوجه، إلى توجيه المدرسين نحو أداء أدوارهم كاملة داخل الفضاء المدرسي، وتوفير الدعم للتلاميذ عبر آليات مؤسساتية بدل ترك الأمر للمبادرات الفردية. ويشمل ذلك مراجعة استعمال الزمن، وتخصيص حصص للمراجعة والمعالجة، وتعزيز المتابعة النفسية والبيداغوجية للتلاميذ الذين يواجهون صعوبات في بعض المواد.

غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تحديداً دقيقاً لمفهوم الدروس الخصوصية. فالدروس المدفوعة التي يقدمها المدرس لتلميذ يدرّسه في المؤسسة تختلف عن حصص المراجعة الجماعية المجانية التي تنظمها الإدارة، كما تختلف عن أنشطة الدعم التي قد تشرف عليها جمعيات أو هياكل تربوية. وغياب هذا التمييز قد يخلق التباساً عند التطبيق.

أثر الإلغاء على التلاميذ والأسر

تأمل عائلات كثيرة أن يؤدي القرار إلى تخفيف الأعباء المالية المرتبطة بالموسم الدراسي، خصوصاً في المواد التي ترتفع فيها كلفة الدروس الفردية أو الجماعية. وتدفع بعض الأسر مبالغ شهرية متراكمة خلال فترات الامتحانات، في وقت تواجه فيه تكاليف النقل والكتب واللوازم المدرسية. لذلك يمكن لمنظومة دعم مجانية وفعالة أن تمنح التلاميذ فرصاً أكثر توازناً.

في المقابل، يخشى أولياء أمور من أن يؤدي منع الدروس الخصوصية دون توفير بديل إلى تراجع مستوى أبنائهم، ولا سيما التلاميذ المقبلين على امتحانات وطنية أو الذين يدرسون في أقسام مكتظة. وتستند هذه المخاوف إلى تجربة سابقة في بعض المؤسسات، حيث لا تكفي ساعات التدريس النظامية لمعالجة التأخر في القراءة واللغات والرياضيات والعلوم.

وتتطلب حماية مصلحة التلميذ اعتماد برامج دعم مبكرة لا تبدأ قبل أسابيع من الامتحانات. فالتلميذ الذي يواجه صعوبة في مادة معينة يحتاج إلى تشخيص منتظم وخطة متابعة تمتد على مدار السنة، مع إشراك الأسرة وإدارة المؤسسة. كما ينبغي أن تراعي البرامج الفروق بين المناطق، لأن حاجات المدارس في الأحياء الداخلية والريفية قد تختلف عن حاجات المؤسسات في المدن الكبرى.

تحديات التطبيق داخل المدارس العمومية

يعد تنفيذ القرار من أكثر مراحله حساسية، لأن الرقابة على الدروس التي تقدم خارج المؤسسة أو عبر شبكات التواصل ليست سهلة. كما أن عدداً من المدرسين يعتمدون على هذه المداخيل لمواجهة ارتفاع نفقات المعيشة، ما قد يجعل القرار محل اعتراض إذا لم يرافقه حوار مهني واضح وتحسين للظروف المادية داخل القطاع.

ومن المنتظر أن يثير الإجراء نقاشاً بين الوزارة والنقابات التربوية حول آليات المنع، وحدود مسؤولية المدرس، وطريقة احتساب ساعات الدعم. ويحتاج أي تنظيم جديد إلى ضمانات تمنع العقاب العشوائي، وتحدد المخالفات بدقة، وتسمح بالتثبت من الوقائع قبل اتخاذ الإجراءات التأديبية. فالرقابة الفعالة لا تقوم على البلاغات العامة وحدها، بل على مسار قانوني شفاف.

كما أن نجاح حصص الدعم الرسمية مرتبط بتوفير الموارد البشرية. فإذا كانت الأقسام مكتظة أو كان المدرسون يعملون تحت ضغط ساعات طويلة، فقد تتحول الحصص الإضافية إلى عبء جديد يصعب الحفاظ على جودته. ولهذا سيكون من الضروري وضع روزنامة واقعية، وتوفير قاعات وتجهيزات، ومتابعة النتائج من خلال مؤشرات واضحة بدل الاكتفاء بتسجيل الحضور.

انعكاس القرار على جودة التعليم والإنصاف

يمكن لإلغاء الدروس الخصوصية أن يدعم مبدأ الإنصاف إذا أصبحت المدرسة العمومية قادرة على تقديم تعليم جيد وخدمات مرافقة لجميع التلاميذ. ويتطلب ذلك تحسين طرق التدريس، وتحديث البرامج، وتوفير الوسائل الرقمية، وتطوير التقييم المستمر. فالحد من الدروس المدفوعة لا يعالج وحده أسباب التفاوت، لكنه قد يحد من أحد مظاهره الواضحة.

وتبقى جودة المدرس والتكوين المستمر من العناصر الأساسية في هذه المعادلة. فالمناهج تتغير، واحتياجات التلاميذ تتطور، واستخدام التكنولوجيا يفرض مهارات جديدة في الشرح والتقييم. لذلك ينبغي أن يترافق القرار مع برامج تكوين عملية تساعد المدرسين على معالجة التعثر، وتقديم دروس مختلفة بحسب مستويات المتعلمين، واستعمال موارد تعليمية متاحة للجميع.

ويجب كذلك الانتباه إلى الفجوة الرقمية. فقد تلجأ بعض الأسر إلى منصات تعليمية خاصة أو حصص عن بعد لتعويض الدروس الحضورية، بينما لا تملك أسر أخرى اتصالاً مستقراً بالإنترنت أو أجهزة كافية. ومن ثم فإن أي سياسة للدعم المدرسي ينبغي أن تجمع بين الحضور الفعلي والموارد الرقمية المجانية، حتى لا ينتقل التفاوت من القسم إلى الفضاء الإلكتروني.

الحاجة إلى حوار مجتمعي وإجراءات واضحة

يمس القرار فئات واسعة من المجتمع، ولذلك لا يمكن إنجاحه عبر التعليمات الإدارية وحدها. فالأولياء والمدرسون والتلاميذ والإدارات المحلية يحتاجون إلى معرفة تفاصيل الإجراء قبل بداية الموسم، بما في ذلك حدود المنع، وطرق التبليغ، والبدائل المتاحة، والجهة المكلفة بالمتابعة. الوضوح المسبق يقلل الإشاعات ويمنع اختلاف التطبيق بين مؤسسة وأخرى.

ويتطلب الإصلاح التربوي أيضاً وضعه ضمن نقاش أوسع حول دور الدولة في توفير الخدمات الأساسية والعدالة الاجتماعية. وقد أظهرت تجارب سياسية وتشريعية سابقة أن القرارات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي تحتاج إلى قراءة دقيقة لتداعياتها، كما يبرز في النقاش حول قانون المصالحة الذي عكس أهمية اختلاف المواقف وتعدد زوايا التقييم داخل الساحة العامة.

ومن المفيد أن تنشر الوزارة تقارير دورية حول نتائج المنظومة الجديدة، مثل معدلات الحضور، وتطور مستويات التلاميذ، وعدد حصص الدعم، وشكاوى الأولياء، والفوارق بين الجهات. كما ينبغي أن تفتح قنوات ميسرة لتلقي الملاحظات والتظلمات، لأن التقويم المستمر يسمح بتعديل الإجراءات قبل تحول الصعوبات إلى أزمة أوسع.

وإذا أُسند تنفيذ القرار إلى خطة متدرجة، فقد يصبح فرصة لإعادة الاعتبار إلى المدرسة العمومية، لا مجرد منع لممارسة منتشرة. أما إذا اقتصر الأمر على العقوبات دون دعم المؤسسات والمدرسين والتلاميذ، فقد تظهر أشكال جديدة من التعليم الموازي خارج الرقابة. الفارق بين السيناريوهين تحدده قدرة الوزارة على الجمع بين التنظيم والاستثمار والحوار.

تابعوا مستجدات الموسم الدراسي والقرارات التربوية عبر منصة اليوم، للاطلاع على تفاصيل النصوص التطبيقية وردود الفعل المهنية والاجتماعية، وعلى مدى انعكاس هذه الخطوة على التلاميذ والأسر في مختلف الجهات التونسية.